الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله وصيرورتها ستا ) أي ويسقط الترتيب بصيرورة الفوائت ست صلوات لدخولها في حد الكثرة المفضية للحرج لو قلنا بوجوبه والكثرة بالدخول في حد التكرار وهو أن تكون الفوائت ستا وهو الصحيح وبه اندفع ما روي عن محمد أن المعتبر دخول السادسة واندفع ما في السراج الوهاج وغاية البيان وكثير أن المعتبر دخول وقت السابعة لتصير الفوائت ستا إذ لا يتوقف صيرورتها ستا على دخول السابعة كما لو ترك صلاة يوم كامل وفجر اليوم الثاني فإن الفوائت صارت ستة بطلوع الشمس في اليوم الثاني ولم يدخل وقت السابعة وقد يقال لما كان فائدة السقوط صحة الوقتية وهي لا تكون إلا بدخول وقت السابعة اعتبر وقت السابعة وجوابه أن فائدة السقوط لم تنحصر فيما ذكر لأنه بدخول وقت السابعة لا يجب عليه الترتيب فيما بين الفوائت أيضا كما سيأتي وعبارة المصنف أولى من عبارة الهداية والقدوري حيث قالا إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات استثناء من قوله رتبها في القضاء لما يلزم من ظاهرها من كون الفوائت سبعا على ما في فتح القدير أو تسعا على ما في النهاية وإن أجاب عنه في غاية البيان بأن المراد بالفوائت الأوقات مجازا للاشتباه مع ما قدمناه من عدم اشتراط دخول وقت السابعة وصرح في المحيط بأن ظاهر الرواية أن الترتيب يسقط بصيرورة الفوائت ستا موافقا لما في المختصر وصححه في الكافي وبه اندفع ما صححه الشارح الزيلعي من أن المعتبر في سقوط الترتيب أن تبلغ الأوقات المتخللة منذ فاتته ستة أوقات وإن أدى ما بعدها في أوقاتها ولهذا ذكر في الفتاوى الظهيرية لو تذكر فائتة بعد شهر لا تجوز الوقتية مع تذكر الفائتة إلا إذا كانت [ ص: 92 ] الفوائت ستا

                                                                                        وقال الصدر الشهيد حسام الدين في واقعاته أنه يجوز ا هـ .

                                                                                        وفي التجنيس أن الجواز مختار الطحاوي والفقيه أبي الليث وبه نأخذ لأن المتخلل بينهما أكثر من ست صلوات ا هـ .

                                                                                        وفي الولوالجية وهو المختار عند المشايخ وهو موافق لتصحيح الشارح وحاصله أنهم اختلفوا هل المعتبر صيرورة الفوائت ستا في نفسها ولو كانت متفرقة أو كون الأوقات المتخللة ستا وثمرته تظهر فيما ذكرنا من الفروع والظاهر اعتماد ما وافق المتون من اعتبار صيرورة الفوائت ستا حقيقة وما ذكره الشارح الزيلعي ثمرة للخلاف المذكور من أنه لو ترك ثلاث صلوات مثلا الظهر من يوم والعصر من يوم والمغرب من يوم ولا يدري أيتها أولى فعلى اعتبار الأوقات سقط الترتيب لأن المتخلل بين الفوائت كثيرة فيصلي ثلاثا فقط وعلى اعتبار الفوائت في نفسها لا يسقط فيصلي سبع صلوات والأول أصح ا هـ .

                                                                                        فغير صحيح لوجهين الأول أنه لا يتصور على قول أبي حنيفة كون المتخللات ست فوائت لأن مذهبه أن الوقتية المؤداة مع تذكر الفائتة تفسد فسادا موقوفا إلى أن يصلي كمال خمس وقتيات فإن لم يعد شيئا منها حتى دخل وقت السادسة صارت كلها صحيحة كما سيأتي فقوله وقيل يعتبر أن تبلغ الفوائت ستا ولو كانت متفرقة غير متصور على قوله فلا يبني عليه شيء ، الثاني أن اختلاف المشايخ في لزوم السبع أو الثلاث ليس مبنيا على ما ذكر وإنما هو مبني على أن العبرة في سقوط الترتيب لتحقيق فوت الست حقيقة أو معنى فمن أوجب السبع نظر إلى الأول لأنه لم يفته إلا ثلاث فلم يسقط الترتيب فيعيد ما صلى أولا ومن اقتصر على الثلاث نظر إلى الثاني لأن بإيجاب السبع بإيجاب الترتيب تصير الفوائت كسبع معنى فإذا كان الترتيب يسقط بست فأولى أن يسقط بسبع فالحاصل أنا لو قلنا بوجوب الترتيب للزمه قضاء سبع وهي كسبع فوائت فلذا أسقطنا الترتيب

                                                                                        وقول من أسقطه أوجه لأن المعنى الذي لأجله سقط الترتيب بالست وهو الدخول في حد الكثرة المقتضية للحرج موجود في إيجاب سبع بعينه واقتصر عليه في التجنيس من غير حكاية خلاف ثم ذكر بعده الخلاف وقال إن السقوط هو مختارنا وغيره لا يعتمد عليه وذكر الولوالجي أن من أوجب الترتيب فيه لا اعتماد عليه لأنه قد زاد على يوم وليلة فلا يبقى الترتيب واجبا . ا هـ .

                                                                                        وصححه في الحقائق معللا بأن إعادة ثلاث صلوات في وقت الوقتية لأجل الترتيب مستقيم أما إيجاب سبع صلوات في وقت واحد لا يستقيم لتضمنه تفويت الوقتية ا هـ يعني : أنه مظنة تفويت الوقتية

                                                                                        فالحاصل أنه لا يلزمه إلا قضاء ما تركه من غير إعادة شيء على المذهب الصحيح إذا كانت الفوائت ثلاثا أو أكثر فيلزمه قضاء ثلاث في الفرع المذكور ولو ترك مع ذلك عشاء من يوم آخر لزمه أربع ولو ترك صبحا آخر لزمه خمس ولا يعيد شيئا مما صلاه وعلى القول الضعيف ففي المسألة الأولى يصلي سبعا لأنه إما أن يصلي ظهرا بين عصرين أو عصرا بين ظهرين لاحتمال أن يكون ما صلاه أولا هو الآخر فيعيده ثم يصلي المغرب ثم يعيد ما صلاه أولا لاحتمال كون المغرب أولا وفي المسألة الثانية يقضي خمس عشرة صلاة السبعة الأولى كما ذكرنا ثم يصلي بعدها العشاء ثم يعيد السبعة الأولى لاحتمال أن تكون العشاء هي الأولى وفي المسألة الثالثة يقضي إحدى وثلاثين صلاة الخمسة عشر الأولى ثم يصلي الفجر ثم يعيد الخمسة عشر لاحتمال أن يكون الفجر هي الأولى وإنما قيدنا بكون الفائت ثلاثة فأكثر لأنه لو فاتته صلاتان الظهر من يوم والعصر من يوم ولا يدري الأول فعند أبي حنيفة يلزمه قضاء ثلاث صلوات وهو إما ظهر بين عصرين أو عصر بين ظهرين لأن المتروك أولا إن كان هو المؤدى أولا فالأخير نفل وإلا فالأول نفل [ ص: 93 ] وقالا لا يلزمه إلا صلاتان إلحاقا له بالناسي فيسقط الترتيب وأبو حنيفة ألحقه بناسي التعيين وهو من فاته صلاة لم يدر ما هي ولم يقع تحريه على شيء يعيد صلاة يوم وليلة بجامع تحقق طريق يخرج بها عن العهدة بيقين فيجب سلوكها وهذا الوجه يصرح بإيجاب الترتيب في القضاء عنده فيجب الطريق التي يعينها لا كما قيل أنه مستحب عندهم فلا خلاف بينهم

                                                                                        وفي فتاوى قاضي خان أن الفتوى على قولهما كأنه تخفيف على الناس لكسلهم وإلا فدليلهما لا يترجح على دليله وقد ذكر في آخر الحاوي القدسي أنه إذا اختلف أبو حنيفة وصاحباه فالأصح أن الاعتبار لقوة الدليل فالحاصل أن الأصح المفتى به أنه لا يلزمه القضاء إلا بقدر ما ترك سواء كان المتروك صلاتين أو أكثر وقد أفاد كلام المصنف أن الفوائت إذا كثرت سقط الترتيب فيما بين الفوائت نفسها كما سقط بينها وبين الوقتية وقد صرح به في الهداية وجزم به في المحيط وعلله في غاية البيان بأن الكثرة إذا كانت مسقطة للترتيب في غيرها كانت مسقطة له في نفسها بالطريق الأولى لأن العلة إذا كان لها أثر في غير محلها فلأن يكون لها أثر في محلها أولى . ا هـ .

                                                                                        ونص الزاهدي على أنه الأصح وبهذا اندفع ما في الظهيرية والخانية من أن الفوائت لو كثرت وأراد أن يقضيها فإنه يراعي الترتيب في القضاء وتفسير ذلك أنه إذا قضى فائتة ثم فائتة فإن كان بين الأولى والثانية فوائت ست يجوز له قضاء الثانية وإن كانت أقل من ست لا يجوز قضاء الثانية ما لم يقض ما قبلها وقيل في الفوائت إذا كثرت سقط الترتيب حتى لو قضى ثلاثين فجرا ثم قضى ثلاثين ظهرا ثم قضى ثلاثين عصرا جاز ا هـ .

                                                                                        وأفاد كلامه أيضا أنه لا فرق بين الفوائت القديمة والحديثة حتى لو ترك صلاة شهر فسقا ثم أقبل على الصلاة ثم ترك فائتة حادثة فإن الوقتية جائزة مع تذكر الفائتة الحادثة لانضمامها إلى الفوائت القديمة وهي كثيرة فلم يجب الترتيب ولأن بالحديثة ازدادت الكثرة فيتأكد السقوط ولأنه لو اشتغل بهذه الفائتة لكان ترجيحا بلا مرجح ولو اشتغل بالكل تفوت الوقتية فتعين ما ذكرنا وقال بعضهم إن المسقط الفوائت الحديثة وأما القديمة فلا تسقط ويجعل الماضي كأن لم يكن زجرا له عن التهاون بالصلوات فلا تجوز الوقتية مع تذكرها وصححه في معراج الدراية معزيا إلى المحيط للصدر الشهيد وفي التجنيس وعليه الفتوى وذكر في المجتبى أن الأول أصح وفي الكافي والمعراج وعليه الفتوى فقد اختلف التصحيح والفتوى كما رأيت والعمل بما وافق إطلاق المتون أولى خصوصا أن على القول الثاني يؤدي إلى التهاون لا إلى زجره عنه فإن من اعتاد تفويت الصلوات لو أفتى بعدم الجواز يفوت أخرى ثم وثم حتى تبلغ الحديثة حد الكثرة كما في الكافي .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله دخول السادسة ) أي دخول وقت السادسة كما في الهداية ( قوله وقد يقال ) أي فيما لو أراد أن يصلي الظهر من اليوم الثاني في هذه الصورة يصح أداؤها لسقوط الترتيب بصيرورة الفوائت ستا ( قوله من كون الفوائت سبعا ) أي بتقديم السين وهو ظاهر وقوله أو تسعا أي بتقديم التاء المثناة على السين ووجه أنه ذكر الفوائت بلفظ الجمع والزائد غير المزيد عليه ست والفوائت الزائدة ثلاثا لأنها أدنى مراتب الجمع فيصير المجموع تسعة وفيه أنه لا يفهم من قولك هذه الدراهم تزيد على مائة إلا أن عددها يزيد على مائة درهم والمراد هنا كذلك ( قوله وإن أجاب عنه في غاية البيان إلخ ) قال بعد تقريره وحاصله إلا أن يزيد بفوت ست صلوات بدخول وقت السابعة فيسقط الترتيب وهذا ما عندي من البيان ا هـ .

                                                                                        ورده في العناية بأن الزيادة لا بد وأن تكون من جنس المزيد عليه ثم قال والحق أن يقدر مضافا وتقديره إلا أن تزيد أوقات ست صلوات بحسب دخول الأوقات دون خروجها ورده في السعدية بأن الزائد على أوقات ست صلوات ليس وقت الفائتة بل على العكس حيث زاد على أوقات الفوائت الستة وقت صلاة أخرى واختار في الجواب أن الكلام على القلب أي إلا أن تزيد الصلوات المفروضة على ست فوائت قال وهذا معنى صحيح لا غبار عليه والقلب فن معتبر من البلاغة سيما عند صاحب المفتاح ا هـ .

                                                                                        لكن فيه اعتبار محاورات البلاغة في أداء الأحكام الشرعية غير ظاهر لا سيما فيما يؤدي إلى اشتباه الحكم كما هنا وثم تأويلات أخر ( قوله للاشتباه ) تعليل للأولوية وقوله مع ما قدمناه وجه آخر للأولوية أيضا ( قوله وبه اندفع ما صححه الشارح الزيلعي ) وعبارته ثم المعتبر فيه أن تبلغ الأوقات المتخللة مذ فاتته ستة وإن أدى ما بعدها في أوقاتها وقيل يعتبر أن تبلغ الفوائت ستا ولو كانت متفرقة وثمرة الاختلاف تظهر فيما إذا ترك ثلاث صلوات مثلا إلخ ( قوله ولهذا ذكر إلخ ) تعليل للاندفاع لكن مع قطع النظر عن قوله وقال الصدر الشهيد إلخ [ ص: 92 ] ( قوله وهو موافق إلخ ) أي ما ذكره الصدر الشهيد وما في التجنيس والولوالجية موافق لتصحيح الشارح ( قوله سقط الترتيب ) قال في الفتح يعني بين المتروكات ا هـ .

                                                                                        وظاهره أنه لا يسقط بين المتروكات والوقتية على كل من الاعتبارين كما يفيده أيضا ما سيذكره المؤلف عن الحقائق ( قوله غير متصور على قوله ) لأنه مع دخول وقت السادسة ثبتت الصحة فلا نتحقق فائتا سوى المتروكة إذ ذاك والمسقط هو ست فوائت لا مجرد أوقات لا فوائت فيها كذا في فتح القدير وتمام الكلام فيه وقد يجاب بأنها فائتة حكما ولذا لو ترك صلاة وصلى بعدها خمسا ذاكرا لها سقط عنه الترتيب مع أن الفائت حقيقة واحدة تأمل ( قوله فالحاصل ) أي حاصل ما ذكره في توجيه قول من اقتصر على الثلاث ( قوله ففي المسألة الأولى ) أي مسألة ما لو كانت الفوائت ثلاثا ظهر من يوم وعصر من يوم ومغرب من يوم ولا يدري ترتيبها ولم يقع تحريه على شيء ( قوله لأنه إما أن يصلي إلخ ) تعليل لقوله يصلي سبعا وقوله [ ص: 93 ] لاحتمال تعليل للتعليل وحاصله أنه في هذه الصورة يصلي الظهر ثم العصر ثم الظهر ثم المغرب ثم الظهر ثم العصر ثم الظهر لما ذكره من التعليل الثاني .




                                                                                        الخدمات العلمية