الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                        معلومات الكتاب

                                                                                        البحر الرائق شرح كنز الدقائق

                                                                                        ابن نجيم - زين الدين بن إبراهيم بن محمد

                                                                                        صفحة جزء
                                                                                        ( قوله ومن جن أو أغمي عليه خمس صلوات قضى ولو أكثر لا ) وهذا استحسان والقياس أن لا قضاء عليه إذا استوعب الإغماء وقت صلاة كاملة لتحقق العجز وجه الاستحسان أن المدة إذا طالت كثرت الفوائت فيحرج في الأداء وإذا قصرت قلت فلا حرج والكثير أن يزيد على يوم وليلة لأنه يدخل في حد التكرار والجنون كالإغماء على الصحيح وفي تحرير الأصول الجنون ينافي شرط العبادات وهي النية فلا تجب مع الممتد منه مطلقا للحرج وما لا يمتد طارئا جعل كالنوم من حيث إنه عارض يمنع فهم الخطاب زال قبل الامتداد ولأنه لا ينفي أصل الوجوب إذ هو بالذمة وهي له حتى ورث وملك وكان أهلا للثواب كأن نوى صوم الغد فجن فيه ممسكا كله صح فلا يقضي لو أفاق بعده ا هـ .

                                                                                        قيد بالجنون والإغماء لأن النوم لا يسقط مطلقا حتى لو نام أكثر من يوم وليلة يقضي لو أفاق بعده ا هـ .

                                                                                        قيد بالجنون وليلة غالبا فلا يحرج في القضاء بخلاف الإغماء لأنه مما يمتد عادة وقيده بدوام الإغماء لأنه إذا كان يفيق فيها فإنه ينظر فإن كان لإفاقته وقت معلوم مثل أن يخف عنه المرض عند الصبح مثلا فيفيق قليلا ثم يعاوده فيغمى عليه تعتبر هذه الإفاقة فيبطل ما قبلها من حكم الإغماء إذا كان أقل من يوم وليلة وإن لم يكن لإفاقته وقت معلوم لكنه يفيق بغتة فيتكلم بكلام الأصحاء ثم يغمى عليه فلا عبرة بهذه الإفاقة أطلق في الإغماء والجنون فشمل ما إذا كان بسبب فزع من سبع أو خوف من عدو فلا يجب القضاء إذا امتد إجماعا لأن الخوف بسبب ضعف قلبه وهو مرض إلا أنه يرد عليه ما إذا زال عقله بالخمر أو أغمي عليه بسبب شرب البنج أو الدواء فإنه لا يسقط عنه القضاء في الأول وإن طالاتفاقا لأنه حصل بما هو معصية فلا يوجب التخفيف ولهذا يقع طلاقه ولا يسقط أيضا في الثاني عند أبي حنيفة لأن النص ورد في إغماء حصل بآفة سماوية فلا يكون واردا في إغماء حصل بصنع العباد لأن العذر إذا جاء من جهة غير من له الحق لا يسقط الحق

                                                                                        وقال محمد يسقط القضاء إذا كثر لأنه إنما حصل بما هو مباح كذا في المحيط وشمل ما إذا كان الجنون أصليا كما إذا بلغ مجنونا وزال وهو قول محمد فالعارض والأصلي عنده سواء في سقوط القضاء إذا كثر وعدمه إذا قل وقال أبو يوسف الأصلي كالصبا فلا قضاء مطلقا كذا في السراج الوهاج وقيد بالصلاة في تسوية الجنون بالإغماء لأن بينهما [ ص: 128 ] فرقا في الصوم فإنه إذا أغمي عليه قبل شهر رمضان حتى مضى رمضان كله ثم أفاق فإنه يلزمه قضاء شهر رمضان فلو جن قبل رمضان وأفاق بعدما مضى شهر رمضان لا يلزمه قضاء الصوم كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى وظاهر كلامه أن الأكثرية من حيث الصلوات فإن الأكثر من خمس صلوات ست فأكثر وهو قول محمد ورواية عن أبي حنيفة وهو الأصح وعند أبي يوسف وهو رواية عنه أيضا العبرة للزيادة من حيث الساعات وفائدته تظهر فيما إذا أغمي عليه قبل الزوال فأفاق من الغد بعد الزوال فعند أبي يوسف لا يجب القضاء وعند محمد يجب إذا أفاق قبل خروج وقت الظهر والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .

                                                                                        التالي السابق


                                                                                        ( قوله فلا تجب مع الممتد منه مطلقا ) أي سواء كان أصليا أو عارضا بعد البلوغ ( قوله إلا أنه يرد عليه إلخ ) أقول : هذا الكلام هنا غير محرر لأنه بعدما ذكره من التعليل لا ورود لما ذكر أصلا نعم يرد ظاهرا ما إذا كان بسبب فزع من سبع أو خوف من عدو لأنه يتوهم فيه أنه لم يحصل بآفة سماوية فلا يكون مما ورد فيه النص فيجاب بالمنع لأن سببه القريب ضعف القلب وهو مرض ليس من صنع العباد [ ص: 128 ] فالأحسن في التعبير ما ذكره الشارح الزيلعي حيث ذكر أولا ما إذا زال عقله بالخمر أو بالبنج وعلل لهما ثم ذكر مسألة الفزع والخوف وعلل لها فكان ذكرها أخيرا بمنزلة جواب عن سؤال مقدر وهو ترتيب حسن

                                                                                        ( قوله فعند أبي يوسف لا يجب القضاء ) قاله الرملي أقول : وبه يعلم أن الوتر لا يجب . ا هـ .

                                                                                        والظاهر أن قوله لا يجب محرف عن لا يحسب بالسين قبل الموحدة أي لا يعد من الست .




                                                                                        الخدمات العلمية