الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري 42 - بَابٌ الْقِسْمَةُ وَتَعْلِيقُ الْقِنْوِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: الْقِنْوُ: الْعِذْقُ. وَالِاثْنَانِ: قِنْوَانِ. وَالْجَمَاعَةُ: قِنْوَانٌ، مِثْلُ: صِنْوٍ وَصِنْوَانِ فتح الباري لابن رجب الْمَقْصُودُ بِهَذَا الْبَابِ: أَنَّ الْمَسْجِدَ يَجُوزُ أَنْ يُوضَعَ فِيهِ أَمْوَالُ الْفَيْءِ وَخُمُسُ الْغَنِيمَةِ وَأَمْوَالُ الصَّدَقَةِ وَنَحْوُهَا مِنْ أَمْوَالِ اللَّهِ الَّتِي تُقْسَمُ بَيْنَ مُسْتَحِقِّيهَا. وَقَدْ ذَكَرَ الْقِنْوَ فِي تَبْوِيبِهِ وَفَسَّرَهُ وَلَمْ يُخَرِّجْ حَدِيثَهُ. وَحَدِيثُهُ قَدْ خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيِّ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ قَالَ: نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، كُنَّا أَصْحَابَ نَخْلٍ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِنْ نَخْلِهِ عَلَى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وَقِلَّتِهِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالْقِنْوِ وَالْقِنْوَيْنِ، فَيُعَلِّقُهُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ أَهْلُ الصُّفَّةِ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ إِذَا جَاعَ أَتَى الْقِنْوَ، فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، فَسَقَطَ مِنَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ فَيَأْكُلُ، وَكَانَ نَاسٌ مِمَّنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْخَيْرِ يَأْتِي الرَّجُلُ بِالْقِنْوِ فِيهِ الشِّيصُ وَالْحَشَفُ، وَبِالْقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ فَيُعَلِّقُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ . وَخَرَّجَهُ ابْنُ مَاجَهْ ، إِلَّا أَنَّ عِنْدَهُ: عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ الْبَرَاءِ . وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَرَّبَهُ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ: صَحِيحٌ. وَخَرَّجَهُ الْحَاكِمُ ، وَقَالَ: غَرِيبٌ، صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ . يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ خَرَّجَ لِلسُّدِّيِّ ، إِلَّا أَنَّ السُّدِّيَّ كَانَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ جَمْعُهُ الْأَسَانِيدَ الْمُتَعَدِّدَةَ فِي التَّفْسِيرِ لِلْحَدِيثِ الْوَاحِدِ. وَخَرَّجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ لِلْمَسْجِدِ مِنْ كُلِّ حَائِطٍ بِقِنَاءٍ. وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ جِدَادٍ عَشَرَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ بِعِذْقٍ يُعَلَّقُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَسَاكِينِ. وَمِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي يَدِهِ عَصًى وَأَقْنَاءٌ مُعَلَّقَةٌ فِي الْمَسْجِدِ، قِنْوٌ مِنْهَا حَشَفٌ، فَطَعَنَ بِالْعَصَى فِي ذَلِكَ الْقِنْوِ، ثُمَّ قَالَ: " لَوْ شَاءَ رَبُّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ لَتَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْهَا، إِنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الصَّدَقَةِ لَيَأْكُلُ الْحَشَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". وَقَدْ فَسَّرَ الْبُخَارِيُّ الْقِنْوَ، فَقَالَ: هُوَ الْعِذْقُ. يَعْنِي: عِذْقَ النَّخْلَةِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الرُّطَبُ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَتَثْنِيَتُهُ: قِنْوَانِ - بِكَسْرِ النُّونِ، وَجَمْعُهُ - قِنْوَانٌ - بِالتَّنْوِينِ ; قَالَ تَعَالَى: وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَشَبَّهَهُ بِصِنْوٍ وَصِنْوَانِ، فَالصِّنْوُ: الْوَاحِدُ مِمَّا لَهُ نَظِيرٌ يَخْرُجُ مَعَهُ مِنْ أَصْلِهِ مِنَ النَّخْلِ، وَتَثْنِيَتُهُ: صِنْوَانِ، وَجَمْعُهُ: صِنْوَانٌ. قَالَ تَعَالَى: وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ ". وَمِمَّا يَنْبَغِي إِدْخَالُهُ فِي هَذَا الْبَابِ: مَا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي " الزَّكَاةِ " مِنْ رِوَايَةِ مَعْنِ بْنِ يَزِيدَ السُّلَمِيِّ قَالَ: كَانَ أَبِي أَخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ، مَا إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " لَكَ مَا نَوَيْتَ يَا يَزِيدُ وَلَكَ مَا أَخَذْتَ يَا مَعْنُ ". وَيَتَّصِلُ بِهَذَا: التَّصَدُّقُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى السَّائِلِ، وَهُوَ جَائِزٌ، وَقَدْ كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَفْعَلُهُ، وَنَصَّ عَلَى جَوَازِهِ، وَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهًا. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ ": " بَابٌ: السُّؤَالُ فِي الْمَسْجِدِ " ثُمَّ خَرَّجَ مِنْ طَرِيقِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَفِيكُمْ مَنْ أَطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ " قَالَ أَبُو بَكْرٍ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا أَنَا بِسَائِلٍ يَسْأَلُ، فَوَجَدْتُ كِسْرَةَ خُبْزٍ فِي يَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَأَخَذْتُهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهِ. وَمَنَعَ مِنْهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَغُلَّظُوا فِيهِ حَتَّى قَالَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ مِنْهُمْ: لَوْ كُنْتُ قَاضِيًا لَمْ أُجِزْ شَهَادَةَ مَنْ تَصَدَّقَ عَلَى سَائِلٍ فِي الْمَسْجِدِ. وَمِنْهُمْ مَنْ رَخَّصَ فِيهِ إِذَا كَانَ السَّائِلُ مُضْطَرًّا، وَلَمْ يَحْصُلْ بِسُؤَالِهِ فِي الْمَسْجِدِ ضَرَرٌ. وَلِأَصْحَابِنَا وَجْهٌ: يُكْرَهُ السُّؤَالُ وَالتَّصَدُّقُ فِي الْمَسَاجِدِ مُطْلَقًا. وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ أَنَّ قَوْمًا جَاءُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ - أَيِ: الْحَاجَةُ - فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَطَبَ فَحَثَّ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِصُرَّةٍ مِنْ فِضَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ. وَفِي " الْمُسْنَدِ " وَ" سُنَنِ " أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فِي هَيْئَةٍ رَثَّةٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَحَثَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَلْقَى النَّاسُ ثِيَابًا - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا وَاحِدًا، عَلَّقَهُ هَاهُنَا وَفِي " أَبْوَابِ قَسْمِ الْفَيْءِ " مِنْ أَوَاخِرِ " كِتَابِ السِّيَرِ " وَعَلَّقَ بَعْضَهُ فِي " بَابِ فِكَاكِ الْأَسِيرِ ".

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية