الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب في الرجل يتزوج صبية مرضعة فترضعها أمه أو أخته، أو يتزوج مرضعتين فترضعهما أجنبية أو امرأة له أخرى

                                                                                                                                                                                        ومن تزوج مرضعة فأرضعتها أمه أو أخته؛ حرمت عليه ووقعت الفرقة؛ لأنها تصير برضاع أمه أختا له، وبرضاع أخته بنت أخت.

                                                                                                                                                                                        قال ابن القاسم: ولا صداق لها على الزوج، ولا على التي أرضعت وإن تعمدت الفساد.

                                                                                                                                                                                        وإن تزوج مرضعتين، فأرضعتهما أمه أو أخته أو امرأة أجنبية أو امرأة له أخرى، افترق الجواب؛ فإن أرضعتهما أمه أو أخته، حرمتا عليه جميعا؛ لأنهما أخوات أو بنات أخوات، وإن أرضعتهما امرأة أجنبية، كان له أن يحبس إحداهما، وهو بالخيار بين أن يمسك التي أرضعت أولا أو آخرا ويفارق الأخرى.

                                                                                                                                                                                        وكذلك إن أرضعتهما امرأة له أخرى ولم يكن دخل بها، كان بالخيار في المرضعتين يمسك إحداهما ويفارق الأخرى؛ لأنها ربيبة لم يدخل بأمها، [ ص: 2166 ] وتحرم الكبيرة لأنها من أمهات نسائه، فإن دخل بها حرم الجميع، فيحرم الصغار لأنهن الربائب المدخول بأمهاتهن، ولأنهن بناته إذا كان اللبن منه، وتحرم الكبيرة لأنها من أمهات نسائه، ولا صداق للكبيرة إن لم يكن دخل بها، لأن الفسخ والمنع جاء من قبلها، ولا صداق للصغار أيضا إذا كان قد دخل بالكبيرة؛ لأنه فسخ بغير طلاق، ولأنه مغلوب على الفراق ولا سبب له فيه، وليس بمنزلة من يكون له فيها خيار، إلا أن يكون هو الآمر للكبيرة بالرضاع فيكون عليه لهما الصداق.

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا كان الرضاع قبل الدخول بالكبيرة فكان بالخيار في المرضعتين، هل يكون للتي يفارق صداق ؟

                                                                                                                                                                                        فقال محمد: لها ربع صداقها؛ لأنه لو فارقهما جميعا قبل أن يختار كان النصف بينهما. وفي "كتاب ابن حبيب": لها نصف الصداق. وجعله بمنزلة من طلق بالطوع. وذكر الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد عن ابن القاسم: ألا شيء عليه للتي طلق، لوجوب الطلاق. [ ص: 2167 ]

                                                                                                                                                                                        ووجه القول بوجوب الصداق؛ لأنه طلاق لا فسخ ولا سبب لها فيه، ولأنه كان قادرا على أن يختارها ويمسكها دون الأخرى، ولأن ذلك مصيبة نزلت به كموتها لو ماتت فإن مصيبة ذلك منه، ويغرم الصداق.

                                                                                                                                                                                        ووجه القول بسقوط الغرم؛ لأنه مغلوب على الفراق، وإنما ورد القرآن بغرم النصف فيمن طلق طوعا، ولا يشبه هذا موتها؛ لأن البضع ها هنا موجود تبيعه، وتأخذ به العوض من غيره إن أحبت، ففارق الموت، وليست كالتي أجذمت بعد العقد قبل الدخول أنه يغرم نصف الصداق إن طلق: لأنه في معنى الهالك لا تأخذ له عوضا ولا يتزوجها أحد، وإن تزوجت فيما لا خطب له.

                                                                                                                                                                                        ثم يختلف في الكبيرة التي أرضعتها، هل تغرم ذلك النصف للزوج إن [ ص: 2168 ] غرمه الزوج أو للصغيرة إن لم يغرمه على قول ابن القاسم؟ فأما غرمها على الزوج، فيختلف فيه قياسا إذا شهد عليه بطلاق قبل الدخول، ثم رجعت البينة عن الشهادة واعترفت بالزور، فقال ابن القاسم: يرجع على البينة بنصف الصداق. وقال أشهب: لا رجوع له؛ لأنه لم يوجب عليه إلا ما كان يلزمه لو طلق. والأول أحسن؛ لأنه لم يختر الطلاق وإنما اشترى شيئا وبذل له العوض، وحيل بينه وبين قبضه وأغرم الثمن، وإذا لم يغرم الزوج، فإنه يختلف هل للصبية رجوع على التي أرضعتها؟

                                                                                                                                                                                        فإذا قيل: الوجه ألا شيء على الزوج؛ لأنه حيل بينه وبين قبض المبيع، كان لها أن ترجع عليها؛ لأنها تقول: كان لي دين أسقطته بفعلك.

                                                                                                                                                                                        وإذا قيل: الوجه في سقوط الغرم عن الزوج لأن المبيع موجود تبيعه وتأخذ عنه العوض ولم يهلك لها شيء، لم يكن لها عليه شيء؛ لأن الوجه الذي سقط به الغرم عن الزوج هو الذي سقط به مقالها مع التي أرضعتها، وهذا هو الأصل إذا بقي المبيع بيد البائع. [ ص: 2169 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية