الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب في نسيان البينة أو شكهم أو اختلافهم

                                                                                                                                                                                        وقال ابن القاسم في رجلين شهدا على رجل أنه طلق إحدى نسائه الأربع، وقالا نسيناها، فلا تجوز شهادتهما، ويحلف الزوج ما طلق واحدة منهن، وقال محمد: لا يمين عليه، وقال ابن القاسم في شك الشهود ونسيانهم لمن سمى في العتق يجوز بعد الموت، وقال أصبغ: رجع عنه فلا يجوز في الحياة ولا بعد الموت فأسقط الشهادة؛ لأن كل واحدة منهن لا تدري أهي المطلقة أم لا، ولأنها لو علمت لم يصح أن يحلف أنها المطلقة، وأرى أن يحال بينه ويسجن حتى يقر بالمطلقة؛ لأن البينة قطعت بأن واحدة عليه حرام، واختلف إذا نسيت البينة والشهادة بمال فقيل: الشهادة باطلة.

                                                                                                                                                                                        وقال مالك في كتاب ابن حبيب في بينة شهدت لرجل أنه له في هذه الدار حق، ولا نعرف كم هو لتقادمه وتناسخ المواريث فيه، والمطلوب ينكر، قال: يقال له إن علمت حقك ما هو فاحلف عليه وخذه، وإن جهله وقال: كنت أسمع أبي يقول له فيها حق فلا أعرف، حيل بين المشهود عليه وبين الدار حتى يقر فيها بحق الطالب، ويوقف جميعها، ولا حجة للمطلوب إن قال: لم يشهد علي بجميعها، وإن قال حق الطالب منها الربع وأبى أن يحلف على ما سواه أخذ الربع بإقراره ووقف باقي الدار حتى يحلف أن لا شيء له غيره، ولو أقر بعد ذلك بشيء أخذ منه، ووقف عن بقيته حتى يحلف، وإن قال المشهود له أعرف حقي منها، وأبى أن يحلف لم يبطل حقه؛ لأن البينة أثبتت له حقا، قال [ ص: 2692 ] مطرف: وقد كنا نحن نقول إن الشهادة تبطل إذا لم يسم الحق حتى قال مالك هذا، وقضى به، وقال مالك أيضا: إذا شهدت بينة للرجل بحق وقالت لا نعرف عدده إلا أنا نشهد أنه قد بقي له عليه حق فإنه يقال للمطلوب أقر له بحقه، فما أقر به حلف عليه، ولا شيء عليه غيره، وإن جحده قيل للطالب إن عرفته فاحلف عليه وخذه، وإن قال: لا أعرفه وضاعت كتب محاسبتي، أو أعرفه ولا أحلف فليسجن المطلوب حتى يقر بشيء ما، ويحلف عليه، فإن أقر بشيء، ولم يحلف أخذ منه وحبس حتى يحلف، واختلف أيضا إذا شكت البينة، فقيل: الشهادة باطلة، وقال ابن كنانة في المجموعة: إذا شهدا بمال فقيل للبينة أتعلمان أنه مائة، فإن قالا: لا، قيل: فخمسون، فينزلان حتى يقفا على ما لا يشكان فيه، وقال مطرف في كتاب ابن حبيب: إن أقر المطلوب بالحق وجاء بشاهد أنه قبض منه شيئا سماه لي ونسيته، قال: ينزل حتى يقدر على ما لا يشك فيه، ثم يحلف المشهود عليه على ما وقف عليه الشاهد ويبرأ، وقال ابن الماجشون: الشهادة ساقطة، والأول أحسن، ولا يسقط ما استوقن لزائد مشكوك فيه، وإن أقر بثوب أو بعبد لم تعينه البينة ولا وصفته لم تبطل الشهادة؛ لأن إبهام المشهود به ها هنا من قبل المقر ليس من قبل الشهود، واختلف بماذا يقضى له به عليه، فقيل بالوسط من العبيد والثياب، وقيل: بما يدعيه المقر له مع يمينه إذا أتى بما يشبه، وهو أحسن.

                                                                                                                                                                                        وقال محمد: أقر بدنانير قضي عليه بثلاثة بعد يمين الطالب ما هي أقل، [ ص: 2693 ] ويمين المطلوب ما هي أكثر، وقوله في يمين الطالب ضعيف، وإنما أراد يمينه للاختلاف في أقل الجمع أنه اثنان، وليس هذا مما يقصدونه اليوم ولا يفهمونه إذا قال: دنانير، وإن نكل المطلوب أو أنكر الإقرار جملة، كان القول قول المقر له فيما يدعيه إذا أتى بما يشبه.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية