الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في أحكام المناجزة في الصرف]

                                                                                                                                                                                        المناجزة في الصرف شرط في صحته مع القدرة عليها، ويختلف إذا غلبا جميعا أو أحدهما على المناجزة في جميع الصرف أو بعضه، على أربعة أقوال: هل يكون صحيحا أو فاسدا، أو يكون الحكم إذا غلبا جميعا بخلافه إذا كان بغلبة من أحدهما، وهل يفسد جميع الصرف إذا غلبا على بعضه أو ما غلبا عليه؟

                                                                                                                                                                                        فقال مالك في كتاب محمد في قوم اشتروا قلادة ذهب ولؤلؤ بدراهم نقدا، وقالوا: هو ذا، نزن لك، ففصلوا القلادة وباعوا الذهب، وتقاوموا اللؤلؤ، فوضعوا فيها، فلما جاءت الوضيعة وثبوا على صاحبهم وأرادوا فسخ البيع لاستئخار النقد، فقال مالك: لا يرد البيع لاستئخار النقد.

                                                                                                                                                                                        قال ابن القاسم: وذلك أنهم اشتروا على النقد، ولم يرض البائع بتأخيرهم، إنما هو رجل مغلوب، فأمضى مالك وابن القاسم الصرف وإن كانت الغلبة من أحدهما. [ ص: 2777 ]

                                                                                                                                                                                        ويجري فيها قول آخر: أنه يفسخ الصرف فيه؛ قياسا على قولهم في الزيوف: إنه لا يجوز البدل، ويفسخ جميع العقد; لأن كليهما مغلوب.

                                                                                                                                                                                        فإن دلس أحدهما بالزائف كان كغلبة المشتري للقلادة، فيجوز له أن يبدل كما لم يفسخ ذلك، ويفسخ الصرف في القلادة كما لم يبدل، هذا وإن كانا غلبا جميعا على المناجزة لمانع منعهما من ذلك فسخ، كما لو توسط بينهما في الزائف من قلب لهما، وانصرفا على المناجزة، ثم تبين غير ذلك.

                                                                                                                                                                                        ويختلف إذا غلبا على المناجزة في بعض الصرف، هل ينتقض جميع الصرف أو ما يقابل ما غلبا عليه؟ وإذا قلنا: إن الصرف منعقد مع فرار أحدهما أو غلبته، فإن ثباته من قبل من غلب عليه دون من اختار تأخيره، فإن دعا من غلب إلى فسخه كان ذلك له، وإن كره الآخر.

                                                                                                                                                                                        وإن افترقا قبل تمام المناجزة لليل غشيهم فسد الصرف، وليس هذا بغلبة; لأنهما تعديا في العقد في ضيق من الوقت لا يسعهما للمناجزة، إلا أن يكونا عقدا في اتساع من الوقت ثم طرأ ما منع من المناجزة حتى غشيهم الليل.

                                                                                                                                                                                        والذي آخذ به في الغلبة أنه يمضي، والمعروف من القرآن والسنة أن الضرورات تنقل الأحكام. وإن عقدا صرفا على ما يكثر وتطول مناجزته جاز، وهذه ضرورة ما لم يكن مما لا يتناجزان فيه في بقية يومهم فلا يجوز، وإذا دخل الافتراق فسد. [ ص: 2778 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية