الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب في المياه

                                                                                                                                                                                        المياه ستة: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، وطاهر مختلف في تطهيره، ونجس، ومختلف في طهارته، ومختلف فيه هل هو نجس أو طاهر مطهر.

                                                                                                                                                                                        فالأول: مياه السماء والأنهار والآبار والبحار وما يكون عن البرد والجليد. كل هذه المياه مطهرة.

                                                                                                                                                                                        وقال مالك في " المجموعة" فيما يجتمع من الندى: يتوضأ به .

                                                                                                                                                                                        والأصل في هذه الجملة قوله سبحانه: وأنزلنا من السماء ماء طهورا [الفرقان: 48] ، وقوله: وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض [المؤمنون: 18].

                                                                                                                                                                                        ومياه الأنهار والآبار وغيرها مطهرة; لأنها من السماء أسكنت في الأرض، وداخل في قوله تعالى: وأنزلنا من السماء ماء طهورا [الفرقان: 48].

                                                                                                                                                                                        والطهور: المطهر; قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" ، أي: مطهرة; لأن التراب كان قبله طاهرا، وإنما خص بأن يكون مطهرا، أي يتيمم به فيقوم مقام الماء عند عدمه. وفي الصحيحين أنه - صلى الله عليه وسلم - عاد مريضا فقال: " لا بأس، طهور إن شاء الله" ، يريد أن المرض [ ص: 38 ] مطهر من الذنوب، ولم يرد أن المرض طاهر.

                                                                                                                                                                                        والقسم الثاني: المياه المستخرجة من الرياحين والورد وغيرها من الأشجار والفواكه: طاهرة غير مطهرة.

                                                                                                                                                                                        ولا خلاف بين فقهاء الأمصار وغيرهم -إلا من شذ- أن المياه التي خوطبنا بالطهارة بها غير هذا الصنف، وأنها المياه المشهورة المعروفة. فهذان الصنفان أصل المياه: طاهر مطهر، وطاهر غير مطهر، وما سوى هذين فإنما هو لما يدخل على الماء المطهر ويخالطه، والذي يخالطه ثلاثة: طاهر ينفك منه، وطاهر لا ينفك منه في الغالب، ونجس.

                                                                                                                                                                                        فإن خالط الماء أحد المياه الطاهرة المستخرجة من الرياحين وما أشبهها أو غيرها من المائعات، كاللبن والطعام، ولم يتغير أحد أوصافه: لونه أو طعمه أو ريحه، كان على أصله طاهرا مطهرا.

                                                                                                                                                                                        وإن تغير أحد أوصافه وكانت أجزاء ما خالطه أكثر، كان غير مطهر. وإن كانت أجزاؤه قليلة كان في المسألة قولان، والمعروف من المذهب أنه غير مطهر ويتيمم إن لم يجد غيره، فإن توضأ به أعاد وإن ذهب الوقت.

                                                                                                                                                                                        وروي عن مالك: أنه مطهر، وأن تركه مع وجود غيره على وجه الاستحسان.

                                                                                                                                                                                        وقال في " المجموعة" في الغدير ترده الماشية فتبول فيه وتروث حتى يتغير لونه وطعمه: ما يعجبني أن يتوضأ به من غير أن أحرمه . [ ص: 39 ]

                                                                                                                                                                                        فعلى هذا تجزئ الصلاة به، وتستحسن الإعادة ما لم يخرج الوقت. وإن عدم غيره لم يقتصر على التيمم ويتوضأ به ويتيمم.

                                                                                                                                                                                        وفي " السليمانية" في البئر يقع فيه ورق النخل أو ورق الزيتون أو التين فيتغير لون الماء، قال: لا يتغير لونه إلا وطعمه قد تغير، فلا يتوضأ به، فإن فعل وصلى أعاد ما لم يذهب الوقت. وهذا نحو الأول.

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية