الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في وصية المريض وما يعرض لها من جواز ومنع واستحباب]

                                                                                                                                                                                        وصية المريض على خمسة أوجه : واجبة ، ومستحبة ، ومباحة ، ومكروهة وممنوعة ، فتجب بما قبله من تباعات الله سبحانه وتعالى ، زكاة ، أو كفارة يمين ، أو ما أشبه ذلك مما فرط فيه أو لم يفرط ، أو لآدمي من مداينات ، أو قراض ، أو وديعة لم يتقدم الإشهاد بها; لأن ترك الإشهاد الآن يؤدي إلى تلف ذلك على [ ص: 3539 ] أربابها ، وإنما رضوا بترك الإشهاد مع الصحة ورجاء السلامة .

                                                                                                                                                                                        وإن كان قبله غصب أو تعد ، فعليه أن يشهد به ليبرأ منه ، وما سوى هذا القسم فهو راجع إلى ما تطوع به الموصي . فإن كانت الوصية يتعلق بها حق الله سبحانه وتعالى ، ولا تضر بالورثة ، أو تضر بهم لقلة المال ، وكان ما يرجى فيها من الأجر أعظم مما يرجى من الترك للورثة ، كانت مستحبة . وإن كان ما يرجى من الترك أعظم أجرا كانت مكروهة ، وإن تقاربا كانت مباحة ، وإن كان لا يتعلق بها طاعة ولا معصية ولا مضرة على الورثة ، كانت مباحة . وإن كان يتعلق بها معصية كانت ممنوعة ، فإن كان الورثة مياسير لم يكن في الوصية كراهة من جهتهم ، وسواء كان المال قليلا أو كثيرا .

                                                                                                                                                                                        ثم ينظر في الموصى له ، فإن كان موسرا كانت مباحة ، وإن كان معسرا كانت مستحبة ، وإن كان معسرا وله قرابة كانت آكد في الاستحباب ، وإن كانا فقيرين قريبا وأجنبيا ، استحب أن يجعلها في القريب ، ومكروه له أن يجعلها في الأجنبي دونه ، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة : "ضعها في أقاربك وبني عمك" . [ ص: 3540 ]

                                                                                                                                                                                        وإن كان الورثة فقراء والمال قليلا كرهت الوصية لأجنبي ، فقيرا كان أو موسرا ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" . ولقوله - صلى الله عليه وسلم - : "لا صدقة إلا عن ظهر غنى ، وابدأ بمن تعول" . فهو عند الموت إلى ذلك أحوج .

                                                                                                                                                                                        وإن جعل الوصية في قريب فقير وهو أقرب قرابة من الوارث كانت مستحبة . فقد يحرم الأقرب الميراث ، ويأخذ الأبعد بالتعصيب كبنت الأخ ، والعم ، والعمة ، وابن العم . وكذلك إذا كانت منزلتهم سواء ، كبني الأخ ، والأعمام ، وبني الأعمام رجالا ونساء ، وكلهم فقراء ، فهي مستحبة في الإناث; لأن الميراث للذكور ، فيكون قد وصل رحمه وعم نفع ماله جميعهم . وإن كان الإناث صغارا ، كان ذلك آكد على الحث في الوصية لهم .

                                                                                                                                                                                        وإن كان للوارث ولد فقير والمال قليل ، كره له الوصية حملا على الحديث : "ابدأ بمن تعول" . وإن كان صغيرا كان آكد في الكراهة . [ ص: 3541 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية