الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب فيمن قال : رقيقي أحرار أو عبيدي أو ممالكي ، وهل يدخل في ذلك ملك المماليك ، وإذا كان له شريك في أشقاص

                                                                                                                                                                                        وإن قال : رقيقي أحرار دخل في ذلك الذكران والإناث . وقال سحنون في العتبية : إذا قال : عبيدي أحرار ، كان على الذكران خاصة ، ثم رجع فقال : يعتق .

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا قال : ممالكي أو كل مملوك لي ، فقال مالك في المدونة : يعتق الذكران والإناث . وقال سحنون : إذا قال : ممالكي ، يعتق الذكران خاصة ، ثم رجع فقال : يعتق الذكران والإناث ويلزم على أحد قوليه إذا قال : كل مملوك ألا يعتق إلا الذكران ، وقول مالك إذا قال : ممالكي أحسن; لأنه من الجمع المكسر فيدخل فيه الذكران والإناث .

                                                                                                                                                                                        وأما قوله عبيدي ، فورد في القرآن حمله على الذكران خاصة في قوله [ ص: 3715 ] سبحانه : من عبادكم وإمائكم إن يكونوا [النور : 32] ، وحمله على الجميع في قوله : وما ربك بظلام للعبيد [فصلت : 46] .

                                                                                                                                                                                        وأما قوله : كل مملوك ، فإطلاق اللفظ يقتضي الذكران; لأنه يقال : كل مملوك للذكر وكل مملوكة للأنثى .

                                                                                                                                                                                        وقوله : كل ، فإنما جمع به ما يقع عليه ذلك الاسم قبل قوله: كل ، ألا ترى أنه يصح أن يقول : كل مملوك وكل مملوكة .

                                                                                                                                                                                        وقال مالك : إذا قال : كل عبد اشتريته إنه على الذكران ، وهذا يؤيد ما تقدم إذا قال : كل مملوك أنه على الذكران ، ولأنك تقول : كل عبد أو كل عبدة ، إلا أن الاستحسان اليوم إذا قال : كل مملوك أن يدخل في ذلك الإناث; لأن الناس لا يميزون الفرق بينهم .

                                                                                                                                                                                        وأما قوله : عبيدي ، فالصواب أن يدخل في ذلك الإناث ، يدخلن في ذلك لوجهين :

                                                                                                                                                                                        أحدهما : القرآن في قوله : وما ربك بظلام للعبيد [فصلت : 46] . ولا خلاف أن الإناث يدخلن في ذلك .

                                                                                                                                                                                        والثاني : أنه من الجمع المكسر .

                                                                                                                                                                                        وإذا قال : عبيدي أو ممالكي دخل في ذلك المدبر والمكاتب; لأنه ملك له حتى تنفذ فيهم الحرية ، وإذا قال : مماليكي أحرار ، ولمماليكه مماليك أو أمهات [ ص: 3716 ] أولاد ، لم يعتقوا وكانوا تبعا لهم كالأموال ، ولأنه لم يختلف المذهب أن العبد مالك . وما ذكر عن مالك فيمن حلف أنه لا يملك عبدا ولجاريته عبد أنه حانث ، فلأن قصد الحالف في مثل هذا أنه لا يقدر على التصرف في عبد عبده وقد يكون بساط يمينه أن يستعيره إنسان عبدا فحلف أنه ما يملك عبدا فيكون حانثا; لأنه قادر على ذلك . وكذلك من حلف ألا يركب دابة فلان فركب دابة عبده يحنث ; لأنه قصد اجتناب منته ، ومنة عبده أشد عليه .

                                                                                                                                                                                        وإن كان له أشقاص في عبيده وشركاؤه فيهم شتى ، أعتق أنصباؤه واستكمل عليه أنصباء شركائه . وإن كان شريكه فيهم واحدا فظاهر المدونة أن ربه يقوم عليه كالأول ; لأنه لم يفرق بين أن يكون شريكه فيهم واحدا أو جماعة .

                                                                                                                                                                                        وقال محمد بن المواز : يقتسمون فما صار للحالف أعتق عليه وما صار لشريكه كان رقيقا ، والأول هو الأصل; لأنه لا يختلف إذا كانت الشركة [ ص: 3717 ] على النصف أن للحالف في كل عبد نصفه إلا أن للشريك أن يأخذه بالمقاسمة فيجمع له ذلك في بعضهم ، فإن أسقط الشريك حقه في المقاسمة أعتق نصف كل عبد واستكمل الباقي ، وإن قام بحقه في المقاسمة كان ذلك له ، فما صار للحالف عتق عليه .

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا كان له في كل عبد شريك فأعتقهم واحدا بعد واحد ولا مال له ، فقيل : يمضي عتقهم وهو بمنزلة من وهب ثم وهب وحازه الثاني أنه يمضي له ولا يرد إلى الأول ، وقيل : ينقض الآخر ، فالآخر ليستكمل الأول حتى لا يبقى منهم إلا معتق أو ممتنع العتق ، وعلى هذا يكون الجواب إذا وهب ما الحكم أن يستكمل منه العتق وحازه الموهوب له . فيختلف أيضا هل تمضي الهبة أو ينتقض الاستكمال؟ . [ ص: 3718 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية