الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        باب فيمن قال : أحد عبدي حر أو إحدى امرأتي طالق

                                                                                                                                                                                        وإذا قال : أحد عبدي حر أو إحدى امرأتي طالق ، فإنه لا يخلو ذلك من ثلاثة أوجه ، إما أن يقول ذلك ولا نية له في واحد بعينه ، أو له نية في واحد وهو ذاكر لمن نواه ، أو نسيه ، فإن لم تكن له فيه نية كان فيها ثلاثة أقوال :

                                                                                                                                                                                        فقال ابن القاسم في المدونة : إن قال : أحد عبدي حر كان بالخيار يعتق أيهما أحب ، قال : وهو بمنزلة من قال : رأس من رقيقي صدقة على المساكين أو في سبيل الله ، وإن قال : إحدى امرأتي طالق ، طلقتا من غير خيار وفرق بين العتق والطلاق .

                                                                                                                                                                                        وفي مختصر ابن الجلاب : يعتق العبدان جميعا من غير خيار ورد العتق إلى الطلاق . وقال في كتاب محمد : يخير في الطلاق . وقال إسماعيل القاضي شبه ابن القاسم قول الرجل أحد عبدي حر بقوله أحدهما صدقة ، فكأنه حين أنزله هذه المنزلة جعله عقدا أوجبه على نفسه ليعتق به واحدا إذا كان هذا من العقود [ ص: 3741 ] التي يوجبها الرجل على نفسه يتقرب بها إلى الله -عز وجل- ، وقد سمعت أحمد بن المعذل ينحو هذا النحو : والطلاق لا يجري هذا المجرى ، وإذا كان السيد أراد هذا المعنى الذي ذهب إليه ابن القاسم فكأنه أوجب على نفسه حرية يوقعها بعد ذلك الوقت في عبد من أولئك العبيد وهو مصدق أنه لم يرد ذلك المعنى ، وأنه أراد الإيجاب في أحدهم من غير أن يكون المعنى الذي وصفنا ، فينبغي أن يجري مجرى الطلاق وأن يعتقوا كلهم بالحكم; لأنه لما أشاع العتق فيهم ولم يكن واحد منهم أولى من الآخر كان كأنه أعتق سدسهم إن كانوا ستة ، ويحكم عليه بعتق من بقي ، فإن مات من قبل أن يبين ما أراد ، لم يجز أن يحكم بعتق جميعهم ، ويقرع بينهم فيعتق سدسهم بالقيمة; لأن في ذلك ضررا على الورثة انتهى قوله .

                                                                                                                                                                                        قال الشيخ : ليس هذا معنى قول ابن القاسم ولو كان أوجب أن يوقع عتقا فلم يوقعه حتى مات لم يعتق بعد موته منهم أحد لا في ثلث ولا من رأس المال .

                                                                                                                                                                                        وفي كتاب محمد : إذا مات أحد العبدين قبل أن يختار كان الآخر حرا فلو [ ص: 3742 ] كان الأمر على ما قاله إسماعيل لم يكن الآخر حرا إلا أن يوقع السيد عليه ذلك ، وإنما أراد أنه أوقع العتق في واحد ، ولم يعينه .

                                                                                                                                                                                        وذكر محمد عن المصريين من أصحاب مالك : ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن عبد الحكم عن مالك في الطلاق أنه قال : يطلقان عليه جميعا ، وقال : وأما المدنيون من أصحاب مالك فقد سمعت بعضهم يقول : ورواه لي عن مالك أنه قال : يخير فيهن فمن شاء منهن أوقع عليها الطلاق كالعتق .

                                                                                                                                                                                        وفي مختصر ابن الجلاب في العتق أنهما يعتقان عليه جميعا كالطلاق .

                                                                                                                                                                                        وإذا كان له أن يختار في العتق فلم يختر حتى مرض كان على خياره ، فإن اختار عتق الأدنى ، رق الأعلى وعتق الآخر من رأس المال . وإن اختار عتق الأعلى كان الفضل على أصل ابن القاسم في الثلث وعلى قول غيره من رأس المال .

                                                                                                                                                                                        وفي كتاب محمد : إن لم يختر حتى مات لم يكن لورثته خيار ، ولكن يعتق [ ص: 3743 ] من كل رأس عشرة إن كانوا عشرة ، وخمسة إن كانوا خمسة . وقال محمد : الخيار لورثته كما كان لميتهم ، وقاله أشهب وأصبغ ورجع إليه ابن القاسم ، وقال مالك في العتبية : يعتق ثلثهم بالسهم إن كانوا ثلاثة ، وربعهم إن كانوا أربعة . وقال عبد الرحمن بن القاسم في كتاب محمد : إذا لم يختر السيد سجن أبدا حتى يوقع العتق على أحدهما ، وقاله أصبغ قال : فإن أصر على الإباء بعد الحبس أوقع الحاكم العتق على الأدنى منهما; لأنه قد كان للسيد أن يعتقه ، ويرق الأفضل ، وكذلك ورثته إذا أنكروا أو اختلفوا إذا كانوا صغارا أو بعضهم ، عتق الأدنى بعتق الوصي ، وإن لم يكن وصي فالسلطان ، وكذلك إذا كانوا كبارا فاختلفوا ، قال محمد : وإن لم يختر السيد حتى مات أحدهما كان ما خلفه لسيده وكان الباقي حرا ، وإن قتله رجل كان فيه دية حر إن قتل خطأ والقصاص إن قتل عمدا ، واختلف في ذلك قول سحنون فقال في كتاب ابنه : إن قتلا جميعا كان في الأول قيمة عبد وفي الثاني دية حر إن قتل خطأ والقصاص إن قتل عمدا ، وإن ماتا ورث الأول بالرق وكان مال الثاني لورثته [ ص: 3744 ] الأحرار ، قال محمد : ثم رأيته بعد ذلك نحا إلى أنهما قبل الاختيار على حكم العبيد ، فإن ماتا لم يتوارثا بالحرية ، وإن قتلا فقيمة عبدين ، ولا يعتق واحد منهما قبل اختياره ، وقال أشهب : إن استحق أحدهما أنه حر من الأصل أو أنه مدبر لم يكن عليه في الثاني شيء .

                                                                                                                                                                                        وقال ابن القاسم في المدونة : إذا قال أحد عبدي حر وقال : نويت أحدهما ، صدق ولا يمين . وقال أشهب في كتاب محمد : يحلف ، والأول أبين إذا كانا متكافئين وقال : نويت أحدهما وكذلك لو تفاضلا وقال : نويت بالعتق الأعلى صدق ، وإن قال : نويت الأدنى أحلف في موضعه استحسانا; لأنه لو قال : لم تكن لي نية لصدق وكان له أن يختار الأدنى ، وإن لم يسأل عن نيته حتى مرض فقال : نويت هذا صدق إذا كانا مساويين أو مختلفين وقال : نويت الأدنى ، ويحلف على قول أشهب . [ ص: 3745 ]

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا قال نويت الأعلى ، فقال ابن القاسم : يجعل فضل قيمته على الأدنى في الثلث ، وقال غيره : يخرج جميعه من رأس المال ، وهو أبين ، ولو جعل الفضل في الثلث لإمكان أن تكون نيته الأدنى لوجب أن يجعل الأدنى في الثلث أيضا; لأنه لا يصح أن يكون الفضل في الثلث إلا خيفة أن يكون نوى بالعتق الأدنى ، ثم انتقل إلى الأعلى ، فإذا لم يجعل الأدنى في الثلث جعل جميع هذا من رأس المال ، وإن نوى واحدا بعينه ثم أنسيه ، أعتقا أو طلقا جميعا ، ولا يصح أن يمسك أحدهما لإمكان أن يكون هو الحر أو هي المطلقة ، وهو بمنزلة من اختلط عليه شاتان إحداهما غير ذكية ، إلا أنهما لا يكونان حرين ولا مطلقتين بنفس النسيان حتى يحكم بالعتق أو الطلاق ، فإن مات العبدان في حياة السيد ولكل واحد منهما ولد حر ، كان للسيد نصف ميراثهما والنصف للولدين ، ولا يكون جميع ما خلفاه للسيد; لأن أحدهما حر ، ولا للولدين لأن أحدهما عبد ، وإن مات أحدهما كان ما خلفه بين سيده وولده نصفين ، وأعتق الثاني بحكم; لأنه يمكن أن يكون الباقي هو العبد . [ ص: 3746 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية