الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في أوجه تبدية الحميل]

                                                                                                                                                                                        وشرط تبدية الحميل على ثلاثة أوجه:

                                                                                                                                                                                        فإما أن يكون في ذلك للطالب منفعة أو لا منفعة له أو لا مضرة على [ ص: 5613 ] الحميل أو عليه في ذلك مضرة، فإن كانت له في ذلك منفعة -لأن الغريم لا يقدر على الوفاء إلا من رباع وما يطول بيعه، والحميل موسر بالعين أو بما يقرب بيعه- كان له أن يبتدئ بالحميل، وإن كان لا منفعة له في ذلك الشرط ولا مضرة على الحميل؛ لأنه والغريم موسران بالعين، أو كان الغريم موسرا بما يقرب بيعه، والحميل موسرا بالعين كان فيها قولان هل يوفى له بشرطه؟ واستحسن أن يبتدئ بغريمه.

                                                                                                                                                                                        وإن كان لا منفعة له في ذلك، وعلى الحميل مضرة -لأن الغريم موسر بالعين، والحميل موسر بالعرض أو بالعقار- لم يمكن من بيع عرض الحميل مع قدرته على أن يأخذ العين الذي في يد غريمه، ومثله إذا كان في أيديهما عرضان هما في القرب في البيع سواء أو كان بيع عرض الغريم أبعد بالأمد اليسير، وإن كان عند الغريم عرض وعند الحميل عقار أو عندهما عقار وهما في أمد البيع سواء، أو ما بيد الغريم أبعد بالأمد القريب لم يبدأ بالحميل، وعلى هذا محمل قول مالك: ألا يعمد فيبيع مسكن الحميل وخادمه وصاحبه حاضر مقيم فيضر بحميله من غير منفعة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرر ولا ضرار" ، وإن كان ذلك الشرط من الغريم أن يبدأ بالحميل، وكان متى غرم الحميل رجع على الغريم بالحضرة عاد الجواب إلى ما تقدم، وإن كان القصد أن [ ص: 5614 ] يسلفه ليرجع به في وقت آخر كان من حق الغريم أن يوفي له بشرطه ويبدأ بالحميل. وقد قال ابن القاسم فيمن اكترى دارا على أن يحيله بالكراء على رجل ليس له عليه دين قال: هذه حمالة. ورأى أن يبدأ بالغريم . ومحمل قوله على أن الحميل يرجع بالحضرة.

                                                                                                                                                                                        واختلف إذا أطلقت الحمالة ولم تقيد بشرط تبديته، فقال الطالب للحميل: اغرم لي؛ لأن الغريم معسر، وقال الحميل: بل هو موسر، فقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب: ليس على الحميل شيء حتى يبدأ المطلوب. وقال مالك في كتاب محمد: يكشف مال الغريم قبل، وقال سحنون في العتبية: إن لم يعلم للغريم مال ظاهر غرم الحميل إلا أن يكشف لمن تحمل له مال الغريم . والأول أبين.

                                                                                                                                                                                        ومحمل الغريم على ما كان عليه وهو اليسر حتى يثبت الآخر فقره، قال محمد: إذا قضى الحميل في غيبة الغريم، ثم قدم الغريم فأثبت أنه كان قضى ذلك الدين قبل دفع الحميل رجع الحميل على من دفع إليه، وإن كان دفع الحميل أولا رجع على الغريم، وإن جهل أيهما دفع أولا رجع الحميل على من دفع إليه إلا أن يكون ذلك بقضاء من السلطان . [ ص: 5615 ]

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية