الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                                        فصل [في منازل الحج وحدودها وخطبة الحج]

                                                                                                                                                                                        عرفة كلها منزل وموقف ، ما خلا بطن عرنة ؛ فإنها من الحرم وليست من عرفة ، والمزدلفة كلها منزل ما عدا بطن محسر ، فإنه ليس من المزدلفة ، ومنى كلها منزل ومنحر ما خلا ما خلف العقبة إلى مكة فإنه ليس من منى ، فلا ينحر فيه ، ولا يبيت فيه .

                                                                                                                                                                                        ويستحب أن ينزل الناس من عرفة بنمرة ؛ لحديث جابر - رضي الله عنه - ، قال : "أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقبة من شعر فتضرب له بنمرة ، فنزل بها" أخرجه مسلم . فإذا زالت الشمس اغتسل الناس ، وجمع بهم الإمام حينئذ الظهر والعصر . قال ابن حبيب : ولا ينبغي لأحد أن يترك الجمع مع الإمام . ويبتدئ الإمام الخطبة قبل الصلاة ويخطب خطبتين .

                                                                                                                                                                                        وخطب الحج ثلاث : الأولى يوم السابع بمكة ، والثانية يوم عرفة بعرفة ، والثالثة أول أيام الرمي ، وهو الحادي عشر .

                                                                                                                                                                                        قال ابن شهاب : كانت يوم النحر فأخرتها الأمراء للشغل . والأولى والثالثة خطبة واحدة بعد الصلاة ، والثانية خطبتان قبل الصلاة . ولا يجلس إلا في خطبة يوم عرفة ، وكل واحدة تتضمن ما يفعل من يوم يخطب إلى التي [ ص: 1206 ] تليها ، والأخيرة ما يفعل إلى انقضاء الحج . قال ابن حبيب : تفتتح الخطب الثلاث بالتكبير كالأعياد ، ويكبر في خلال كل خطبة . واختلف في وقت قطع التلبية ، فقال مالك مرة : يقطع إذا زالت الشمس وراح إلى الصلاة . وقال : إذا راح إلى الموقف . وقال في كتاب محمد : إذا وقف . وذكر أبو محمد عبد الوهاب في الإشراف : يلبي حتى يرمي جمرة العقبة .

                                                                                                                                                                                        وهذا أحسن ؛ للحديث : "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أردف أسامة - رضي الله عنه - من عرفة إلى المزدلفة ، وأردف الفضل - رضي الله عنه - من المزدلفة إلى منى ، فكلاهما قال : "لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة" . أخرجه البخاري ومسلم . ولأن التلبية إجابة إلى ما دعي إليه ، وقد اتفقوا على أنه لا يكتفي من ذلك بالتلبية عند ما يعقد الإحرام ثم يقطع . وإذا كان ذلك فينبغي أن يلبي حتى يتلبس بالفعل الذي دعي إليه .

                                                                                                                                                                                        ويوم النحر : يوم الحج الأكبر ، فيه الرمي والنحر والحلاق والإفاضة . ويقال : حتى يتلبس بالوقوف بعرفة ، كما قال محمد . وقال أشهب في كتاب محمد : إذا قطع التلبية بعرفة ؛ فليهلل وليكبر وليذكر الله . وقيل : يكثر الذكر والتهليل والتكبير والتحميد والتمجيد والتعظيم والدعاء والاستغفار والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - . ويفعل مثل ذلك إذا دفع من عرفة ، وفي مبيته [ ص: 1207 ] بمزدلفة ، وفي مقامه بمنى ، كما يفعل من رفع الصوت بالتلبية ؛ لقوله تعالى : فاذكروا الله عند المشعر الحرام [البقرة : 198] . وقوله تعالى : فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا [البقرة : 200] ، وقوله : واذكروا الله في أيام معدودات [البقرة : 203] . وفي "الموطأ" : "أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - خرج أيام منى بعد ارتفاع النهار جدا ، فكبر وكبر الناس لتكبيره ، ثم خرج بعد ارتفاع النهار جدا ، فكبر وكبر الناس لتكبيره ، ثم خرج حين زاغت الشمس ، فكبر وكبر الناس لتكبيره ، حتى بلغ التكبير للبيت ، فعرف أن عمر خرج لرمي الجمار" .

                                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية