الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
( وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْهَاءَ فِي جَعَلَهُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِ الْمَفْهُومِ مِنْ " يُمْدِدْكُمْ " ، وَهُوَ الْإِمْدَادُ . وَجَوَّزَ أَنْ يَعُودَ عَلَى التَّسْوِيمِ ، أَوْ عَلَى النَّصْرِ ، أَوْ عَلَى التَّنْزِيلِ ، أَوْ عَلَى الْعَدَدِ ، أَوْ عَلَى الْوَعْدِ . وَ " إِلَّا بُشْرَى " مُسْتَثْنًى مِنَ الْمَفْعُولِ لَهُ ، أَيْ : مَا جَعَلَهُ اللَّهُ لِشَيْءٍ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ . فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ فَرُغَ لَهُ الْعَامِلُ ، وَبُشْرَى مَفْعُولٌ مِنْ أَجْلِهِ ، وَشُرُوطُ نَصْبِهِ مَوْجُودَةٌ ، وَهُوَ : أَنَّهُ مَصْدَرٌ ، وَمُتَّحِدُ الْفَاعِلِ وَالزَّمَانِ . وَ " لِتَطْمَئِنَّ " مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ بُشْرَى ، إِذْ أَصْلُهُ لِبُشْرَى . وَلَمَّا اخْتَلَفَ الْفَاعِلُ فِي وَلِتَطْمَئِنَّ ، أُتِيَ بِاللَّامِ ؛ إِذْ فَاتَ شَرْطُ اتِّحَادِ الْفَاعِلِ ؛ لِأَنَّ فَاعِلَ بُشْرَى هُوَ اللَّهُ ، وَفَاعِلُ تَطْمَئِنُّ هُوَ قُلُوبُكُمْ . وَتَطْمَئِنُ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَنْ بَعْدَ لَامِ كَيْ ، فَهُوَ مِنْ عَطْفِ الِاسْمِ عَلَى تَوَهُّمِ مَوْضِعِ اسْمٍ آخَرَ ، وَ " جَعَلَ " عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ مُتَعَدِّيَةٌ إِلَى وَاحِدٍ . وَقَالَ الْحَوْفِيُّ : " إِلَّا بُشْرَى " فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الْهَاءِ ، وَهِيَ عَائِدَةٌ عَلَى الْوَعْدِ بِالْمَدَدِ . وَقِيلَ : بُشْرَى مَفْعُولٌ ثَانٍ لِـ " جَعَلَهُ " اللَّهُ . فَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ تَتَعَلَّقُ اللَّامُ فِي " لِتَطْمَئِنَّ " بِمَحْذُوفٍ ، إِذْ لَيْسَ قَبْلَهُ عَطْفٌ يُعْطَفُ عَلَيْهَا . قَالُوا : تَقْدِيرُهُ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ بَشَّرَكُمْ . وَبُشْرَى " فُعْلَى " مَصْدَرٌ كَـ " رُجْعَى " ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ بَشَرَ الثُّلَاثِيِّ الْمُجَرَّدِ ، وَالْهَاءُ فِي " بِهِ " تَعُودُ عَلَى مَا عَادَتْ عَلَيْهِ فِي " جَعْلَهُ " عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ . وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ : اللَّامُ فِي وَلِتَطْمَئِنَّ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ " جَعَلَهُ " . وَمَعْنَى الْآيَةِ : وَمَا كَانَ هَذَا الْإِمْدَادُ إِلَّا لِتَسْتَبْشِرُوا بِهِ ، وَتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمُ . انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عِنْدَهُ أَنْ يَعْطِفَ وَلِتَطْمَئِنَّ عَلَى بُشْرَى عَلَى الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الْعَطْفِ عَلَى الْمَوْضِعِ - عِنْدَ أَصْحَابِنَا - أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مُحْرِزٌ لِلْمَوْضِعِ ، وَلَا مُحْرِزَ هُنَا ؛ لِأَنَّ عَامِلَ الْجَرِّ مَفْقُودٌ . وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الْمُحْرِزَ فَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِهِ ، وَإِنْ لَا فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الْعَطْفِ عَلَى التَّوَهُّمِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ : قَالَ بَعْضُهُمْ : الْوَاوُ زَائِدَةٌ فِي " وَلِتَطْمَئِنَّ " . وَقَالَ أَيْضًا : فِي ذِكْرِ الْإِمْدَادِ مَطْلُوبَانِ ، أَحَدُهُمَا : إِدْخَالُ السُّرُورِ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : إِلَّا بُشْرَى . وَالثَّانِي : حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةَ بِالنَّصْرِ ، فَلَا تَجْبُنُوا ، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ ، فَفَرَّقَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعِبَارَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلَى حُصُولِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ، فَعَطَفَ الْفِعْلَ عَلَى الِاسْمِ . وَلَمَّا كَانَ الْأَقْوَى حُصُولُ الطُّمَأْنِينَةِ أَدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ . انْتَهَى . وَفِيهِ بَعْضُ تَرْتِيبٍ وَتَنَاقُشٍ فِي قَوْلِهِ : فَعَطَفَ الْفِعْلَ عَلَى الِاسْمِ . إِذْ لَيْسَ مِنْ عَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الِاسْمِ . وَفِي قَوْلِهِ : أَدْخَلَ حَرْفَ التَّعْلِيلِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرَ . ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) حَصَرَ كَيْنُونَةَ النَّصْرِ فِي جِهَتِهِ ، لَا أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مِنْ تَكْثِيرِ الْمُقَاتِلَةِ ، وَلَا مِنْ إِمْدَادِ الْمَلَائِكَةِ . وَذَكَرَ الْإِمْدَادَ بِالْمَلَائِكَةِ تَقْوِيَةً لِرَجَاءِ النَّصْرِ لَهُمْ ، وَتَثْبِيتًا لِقُلُوبِهِمْ . وَذَكَرَ وَصْفَ الْعِزَّةِ وَهُوَ الْوَصْفُ الدَّالُّ عَلَى الْغَلَبَةِ ، وَوَصْفَ الْحِكْمَةِ وَهُوَ الْوَصْفُ الدَّالُّ عَلَى وَضْعِ الْأَشْيَاءِ مَوَاضِعَهَا ، مِنْ نَصْرٍ وَخِذْلَانٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية