الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد

ابن عبد البر - أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر

صفحة جزء
224 [ ص: 89 ] حديث ثالث لابن شهاب عن أبي سلمة متصل صحيح

مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن أحدكم إذا قام يصلي ; جاء الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى ; فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس

التالي السابق


في هذا الحديث من الفقه أن الشيطان يوسوس للإنسان ، وأن الصلاة لا تحول بينه وبينه ، وأنه ساع على المرء فيما يفسد عليه دينه جاهدا ، والله يعصم منه من يشاء من عباده ، وقوله : فلبس عليه يعني خلط عليه ، وهو على فعل مخفف والمستقبل يلبس مثل ضرب يضرب ، وأما إذا كان من اللباس فالماضي منه لبس مثل سمع والمستقبل منه يلبس مثل يسمع ، وقد اختلف الفقهاء في معنى هذا الحديث ; فقال قوم منهم : معناه أن يبني على يقينه وعلى أكثر ظنه ثم يسجد قالوا : وهو حديث ناقص [ ص: 90 ] يفسره حديث أبي سعيد الخدري ، وحديث عبد الرحمن بن عوف ، وحديث ابن عباس ، وغيرهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا أم أربعا ؟ فليصل ركعة ويسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم قالوا [ ص: 91 ] والأحاديث كلها في السهو على خلاف هذا ، إنما هي أن يعتمد الإنسان على أكثر ظنه كما روى ابن مسعود أو يبني على يقينه ، كما روى أبو سعيد وعبد الرحمن بن عوف قالوا : وأما حديث أبي هريرة فحديث مجمل مضمر قد ظهر في غيره من الأحاديث قالوا : فلا يجزي أحدا أبدا إذا شك في صلاته أن يخرج منها إلا حتى يستيقن تمامها ، وسواء اعتراه هذا مرة أو ألف مرة .

وقال آخرون : معنى حديث أبي هريرة هذا في الذي يستنكحه السهو ويكثر عليه ، والأغلب في ظنه أنه قد أتم ; لكن الشيطان يوسوس إليه في ذلك كما يوسوس إلى قوم في كمال طهارتهم قالوا : فمن كانت هذه حاله أبدا أجزأه أن يسجد للسهو سجدتين دون أن يأتي بركعة ، واحتج بعضهم على تأويله هذا بما ذكره أبو داود قال : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبان قال : حدثنا يحيى بن أبي كثير عن هلال بن عياض عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا صلى أحدكم فلم يدر أزاد أم نقص فليسجد سجدتين وهو قاعد فإذا أتاه الشيطان فقال له [ ص: 92 ] أحدثت فليقل كذبت إلا أن يجد ريحا بأنفه أو صوتا بأذنه ، وروى هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير جماعة منهم الأوزاعي ، وهشام الدستوائي ، وعلي بن المبارك كلهم بمعنى واحد قالوا : فهذا أبو سعيد قد روى في هذا الحديث كما روى أبو هريرة ، وحصل في ذلك عند أبي سعيد حديثان ، ومحال أن يكون معناهما واحدا ; بل لكل واحد منهما موضع ، وهو مثل ما ذكرنا من أن هذا في الذي يعتريه الشك دائما لا ينفك عنه قد استنكحه .

ومع ذلك فإنه قد أتم في أغلب ظنه عند نفسه ، والحديث الآخر على من لم يدر أزاد أم نقص فيلزمه أن لا يخرج من صلاته إلا بيقين من تمامه ، وهكذا فسر الليث بن سعد حديث أبي هريرة وحكى ذلك عنه ابن وهب ، وهو قول ابن وهب أيضا ، وقول مالك فيما ذكره عيسى بن دينار في كتاب الصلاة عن ابن القاسم عن مالك قال : فإذا كثر السهو على الرجل ، ولزمه ذلك ولا يدري أسها أم لا ؟ سجد سجدتي السهو بعد السلام ثم قيل لابن القاسم : أرأيت رجلا سها في صلاته ثم نسي سهوه فلا يدري أقبل السلام أم بعده ؟ قال : يسجد قبل السلام أو بعده ، وقال أبو مصعب : من استنكحه السهو فليله عنه وليدعه ، ولو سجد بعد السلام كان حسنا ، واختلف القائلون في تأويل هذا الحديث القول الآخر في سجود هذا المستنكح الذي هو في أكثر ظنه قد أتم صلاته متى يكون سجوده ؟ فقال منهم قوم : يكون سجوده قبل السلام وهو مذهب الشافعي ولا حرج فيه عند مالك وأصحابه إن فعله قبل السلام [ ص: 93 ] والذي يستحبونه بعد السلام في ذلك واحتج قائلو هذا القول بأن ذلك منصوص في حديث أبي هريرة هذا كذا ، رواه محمد بن إسحاق ، ومحمد بن عبد الله بن مسلم ابن أخي الزهري جميعا عن الزهري بهذا الإسناد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قالا فيه : فليسجد سجدتين وهو جالس ، وهو قول مجمل محتمل للتأويل لكنه قد يتبين في رواية ابن أخي الزهري ، وابن إسحاق عن ابن شهاب قالوا : هذا على أن الأغلب في ظاهر حديث مالك أنهما قبل السلام ، وقال أبو داود : رواه ابن عيينة ومعمر ، كما رواه مالك لم يقولوا قبل التسليم

قال أبو عمر :

وقال آخرون في هذا الموضع : بل يسجدهما بعد السلام ، وممن قال ذلك : مالك رحمه الله ، وحجة من قال ذلك : أن عبد الله بن جعفر روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم رواه ابن جريج عن عبد الله بن مسافع عن مصعب بن شيبة عن عتبة بن محمد بن الحارث عن عبد الله [ ص: 94 ] بن جعفر قالوا : فهذا الحديث أولى ; لأنه مفسر قالوا : وحديث أبي هريرة ليس بحجة على الذين لم يذكروه وكل ما ذكرنا قد قالته العلماء على ما وصفنا ، والقول في حديث عبد الله بن جعفر هذا كالقول في حديث أبي هريرة هذا سواء ، وبالله توفيقنا ، وإسناد أبي هريرة أثبت عند أهل النقل ، وهو أولى ما قيل في هذا الباب والأمر فيه متقارب ، والله الموفق للصواب .




الخدمات العلمية