الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1723 - وعن أسامة بن زيد قال : أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم إليه إن ابنا لي قبض فأتنا ، فأرسل يقرئ السلام ويقول : إن لله ما أخذ ، وله ما أعطى ، وكل عنده بأجل مسمى ; فلتصبر ولتحتسب فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها ; فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ، ورجال ، فرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي ونفسه تتقعقع ، ففاضت عيناه ، فقال سعد : يا رسول الله ، ما هذا ؟ فقال : هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده ، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء . متفق عليه .

التالي السابق


1723 - ( وعن أسامة بن زيد قال : أرسلت ابنة النبي صلى الله عليه وسلم ) أي : زينب كما صرح به ابن أبي شيبة ، وصوبه غيره . ( إليه ) عليه الصلاة والسلام . ( إن ابنا لي قبض ) أي : قرب قبضه وموته ، وقال الطيبي : أي : دخل في حالة القبض ومعالجة النزع ، وفي النهاية قبض المريض إذا توفي ، وإذا أشرف على الموت ، ثم قيل : هو علي بن أبي العاص ، ورد بأنه عاش حتى ناهز الحلم ، ومثله لا يقال له صبي عرفا ، بل لغة ، ويجاب بأن الوضع اللغوي يكفي هنا ، وقيل : الصواب أنه أمامة بنت أبي العاص ، كما ثبت في مسند أحمد . ( فأتنا ) أي : احضرنا . ( فأرسل ) أي : النبي صلى الله عليه وسلم أحدا . ( يقرأ السلام ) عليها . ( ويقول ) تسلية لها . ( إن لله ما أخذ ، وله ) ووقع في الحصن : ولله ، وهو مع مخالفة القياس خلاف ما في الأصول . ( ما أعطى ) ما : في الموضعين مصدرية أو موصولة ، والعائد محذوف ، فعلى الأول التقدير : لله الأخذ والإعطاء ، وعلى الثاني لله الذي أخذه من الأولاد ، وله ما أعطى منهم ، أو ما هو أعلم من ذلك ، وفي تقدم المجاز إشارة إلى الاختصاص بالملك الجبار ، وقدم الأخذ على الإعطاء مع أن الأخذ متأخر في الواقع لما يقتضيه المقام ، والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذه هو الذي كان أعطاه ، فإن أخذه أخذ ما هو له ، فلا ينبغي الجزع ; لأن من يستودع الأمانة لا ينبغي له الجزع إذا استعيدت ، ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الميت ، وثوابهم على المصيبة ، أو ما هو أعم من ذلك . ( وكل عنده بأجل مسمى ) قال ميرك : أي : كل من الأخذ والإعطاء ، أو من الأنفس ، أو ما هو أعم من ذلك ، وهي جملة ابتدائية معطوفة على الجملة المذكورة ، وقال الطيبي : أي كل من الأخذ والإعطاء عند الله مقدر مؤجل . قال ميرك : ويجوز في كل النصب عطفا على أن ، فينسحب التأكيد عليه أيضا ، أقول : لكن لا يساعده الرسم ، والرواية . قال : ومعنى العندية العلم ، فهو من مجاز الملازمة ، والأجل يطلق على الحد الأخير على مجموع العمر . ( فلتصبر ) أي : هي . ( ولتحتسب ) أي : تطلب الأجر . قال الطيبي : يجوز أن يكون أمرا للغائب المؤنث ، أو الحاضر على قراءة من قرأ : ( فبذلك فلتفرحوا ) فعلى هذا المبلغ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلفظ به في الغيبة اهـ . وفيه إشارة إلى أن الصبر يورث الثواب ، والجزع يفوته عن المصاب ، وهذا الحديث أصل في التعزية ، ولذا قال الجزري في الحصن : فإذا عزى أحدا [ ص: 1232 ] يسلم ويقول : إنا لله إلخ .

قال : وكتب صلى الله عليه وسلم إلى معاذ يعزيه في ابن له : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل ، سلام عليكم ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فأعظم الله لك الأجر ، وألهمك الصبر ، ورزقنا وإياك الشكر ، فإن أنفسنا وأموالنا ، وأهلينا وأولادنا من مواهب الله عز وجل ، الهنيئة ، وعواريه المستودعة ، متع بها إلى أجل معدود ، ويقبضها لوقت معلوم ، ثم افترض علينا الشكر إذا أعطى ، والصبر إذا ابتلى ، فكان ابنك من مواهب الله الهنيئة ، وعواريه المستودعة ، متعك به في غبطة وسرور ، وقبضه منك لأجر كثير ، الصلاة والرحمة والهدى إن احتسبت فاصبر ، ولا يحبط جزعك أجرك ؛ فتندم ، واعلم أن الجزع لا يرد شيئا ولا يدفع حزنا ، وما هو نازل فكان والسلام ، رواه الحاكم ، وابن مردويه عن معاذ بن جبل ، قال الحاكم : حسن غريب ، ومن الأمور الغريبة والقضايا العجيبة أنه أثناء كتابتي هذا الكتاب وقع من قضاء رب الأرباب أن مات لي ابن اسمه حسن ، وفي الصورة والسيرة حاوي الفواضل ، وجامع الفضائل ، حسن الله مثواه ، وزين مضجعه ومأواه ، فحصل لي بهذا الحديث تعزية كاملة ، وتسلية شاملة ، ونرجو من الله حسن الخاتمة مع الإنابة التامة . ( فأرسلت ) أي : ابنته . ( إليه ) أي : مرة أخرى . ( تقسم عليه ) أي : تحلف عليه . ( ليأتينها ) بالنون المؤكدة ، فقام ومعه سعد بن عبادة ، ومعاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ) كبراء الصحابة وفضلاؤهم . ( ورجال ) أي : آخرون ممن هم دونهم . ( فرفع ) بصيغة المجهول . ( إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي ) الظاهر أنه رفع الصبي على يد أحد منهم ، وقال ابن الملك : أي وضعه أحد في حجره صلى الله عليه وسلم . ( ونفسه ) أي : روحه . ( تتقعقع ) أي : تضطرب وتتحرك ، ولا تثبت على حالة واحدة ، كذا في النهاية . ( ففاضت ) سالت . ( عيناه ) والنسبة مجازية ، والمعنى نزل الدمع من عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( فقال سعد ) أي : المذكور . ( يا رسول الله ، ما هذا ؟ ) البكاء أي : منك . ( فقال : هذه ) أي : الدمعة . ( رحمة ) أي : أثر من آثارها ، وقال ابن الملك : أي : التبكية من رقة القلب . ( جعلها ) أي : خلق الله الرحمة . ( في قلوب عباده ) قال ميرك : ظن سعد أن جميع أنواع البكاء حرام ، وأنه صلى الله عليه وسلم نسي ، فأعلمه صلى الله عليه وسلم أن مجرد البكاء ودمع العين ليس بحرام ، ولا مكروه ، بل هو رحمة وفضيلة ، وإنما المحرم النوح والندب ، وشق الجيوب ، وضرب الخدود . ( فإنما ) وفي نسخة بالواو . ( يرحم الله من عباده الرحماء ) جمع رحيم بمعنى الراحم ، أي : وإنما يرحم الله من عباده من اتصف بأخلاقه ، ويرحم عباده ، و ( من ) في : من عباده بيانية حال من المفعول ، وهو الرحماء قدمها إجمالا وتفصيلا يكون أوقع اهـ كلام الطيبـي . والأظهر أن ( من تبعيضية ، أي : إنما يرحم الله من جملة عباده الرحماء ، فمن لا يرحم لا يرحم . ( متفق عليه ) قال ميرك : رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه اهـ . وجاء في حديث مشهور : الراحمون يرحمهم الرحمن ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ، رواه أحمد وأبو داود ، والنسائي ، والحاكم عن ابن عمر ، فأرباب المال متخلقون بأخلاق ذي الجلال والجمال ، متصفون بالرحمة العامة الشاملة ، والرحمة الخاصة الفاضلة .




الخدمات العلمية