الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
1773 - وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم ، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره ، كلما ردت أعيدت له ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " ، قيل : يا رسول الله فالإبل ؟ قال : " ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها ومن حقها حلبها يوم وردها ، إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر ، أوفر ما كانت ، لا يفقد منهافصيلا واحدا ، تطؤه بأخفافها وتعضه بأفواهها ، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " ، قيل يا رسول الله : فالبقر والغنم ؟ قال : " ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر ، لا يفقد منها شيئا ، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء ، تنطحه بقرونها ، وتطؤه بأظلافها ، كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد ، فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " ، قيل : يا رسول الله فالخيل ؟ قال : " فالخيل ثلاثة : هي لرجل وزر ، وهي لرجل ستر ، وهي لرجل أجر ، فأما التي هي له وزر فرجل ربطها رياء وفخرا ، ونواء على أهل الإسلام ، فهي له وزر ، وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ثم لم ينس حق الله في ظهورها ، ولا رقابها ، فهي له ستر ، وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام ، في مرج وروضة ، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب له عدد ما أكلت حسنات ، وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات ولا تقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين ، إلا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات " ، قيل : يا رسول الله فالحمر ؟ قال : " ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) " رواه مسلم .

التالي السابق


1773 - ( وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها ) قال التوربشتي : الضمير لمعنى الذهب والفضة دون لفظهما ، إذ لم يرد بهما الشيء الحقير ; بل وافية الدنانير والدراهم ، وإما على تأويل الأموال وإما عودا إلى الفضة فإنها أقرب ، ويعلم حال الذهب منها أيضا ، وقيل : أراد كل واحدة منهما ، والذهب مؤنث لأنه بمعنى العين ، وقد جاء الحديث على وفق التنزيل والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم واكتفى ببيان صاحبها عن بيان حال صاحب الذهب ، أو لأن الفضة أكثر انتفاعا في المعاملات من الذهب ، وأشهر في أثمان الأجناس ، ولذا اكتفى به في قوله - عليه السلام - : " وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة " ، وهو معنى قوله ( إلا إذا كان يوم القيامة ) استثناء من أعم الأحوال ( صفحت ) بتشديد الفاء كما جعلت الفضة ونحوها ( له ) أي لصاحبها ( صفائح ) قال السيد جمال الدين : وهي ما طبع عريضا ، وقرئت مرفوعا على أنه مفعول ما لم يسم فاعله ، لقوله صفحت ، ومنصوبا على أنه مفعول ثان وفي الفعل ضمير الذهب والفضة ، وأنت إما بالتأويل السابق ، وإما على التطبيق بينه وبين المفعول الثاني ، الذي هو هو ، انتهى ، وهو كلام الطيبي بعينه ( من نار ) أي يجعل له صفائح من نار ، أو يجعل الذهب والفضة صفائح من نار ، أي يجعل صفائح كأنها نار ، أو كأنها مأخوذة من نار ، يعني كأن الذهب والفضة لفرط إحمائها وشدة حرارتها صفائح النار ، وهذا التأويل يوافق ما في التنزيل ، حيث قال تعالى : يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون فجعل عين الذهب والفضة هي [ ص: 1263 ] المحمي عليها في نار جهنم ، وهذا هو المعني بقوله ( فأحمي عليها ) بصيغة المجهول ، والجار والمجرور نائب الفاعل ، أي أوقد عليها ذات حمى وحر شديد ، من قوله نار حامية ففيه مبالغة ليست في " فأحميت في نار " ، قال الطيبي : والضمير في عليها إلى الفضة فالفاء تفسيرية ، وقيل : الضمير إلى الصفائح النارية ، أي تحمى مرة ثانية ( في نار جهنم ) ليشتد حرها فالفاء تعقيبية ( فيكوى بها ) أي بتلك الفضة أو بتلك الصفائح ( جنبه وجبينه وظهره ) قيل : لأنه ازور عن الفقير وأعرض عنه ، وعبس له وجهه ، وبشره ، وولاه عند الإلحاح ظهره ، فيكوى بماله أعضاؤه التي آذى الفقير بها ، وقيل : لأنها أشرف الأعضاء الظاهرة ، لاشتمالها على الأعضاء الرئيسة ، التي هي الدماغ والقلب والكبد ، وقيل : المراد الجهات الأربع ، التي هي من مقاديم البدن ومؤخره وجنباه ( كلما ردت ) أي عن بدنه إلى النار ( أعيدت ) أي أشد ما كانت . قال الطيبي : أي كلما بردت ردت إلى نار جهنم ، ليحمى عليها ، والمراد منه الاستمرار ، وقال ابن الملك : يعني إذا وصل كي هذه الأعضاء من أولها إلى آخرها أعيد الكي إلى أولها ، حتى وصل إلى آخرها اهـ ويمكن أن يكون الضمير في ردت راجعا إلى الأعضاء ، أي كلما ردت الأعضاء بالتبديل بعد الإحراق والقرب من الإفناء أعيدت الصفائح عليها ، فيكون موافقا لقوله - تعالى - كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ( له ) أي لمانع الزكاة ( في يوم ) وهو يوم القيامة ( كان مقداره خمسين ألف سنة ) أي على الكافرين ، ويطول على بقية العاصين ، بقدر ذنوبهم ، وأما المؤمنون الكاملون فهو على بعضهم كركعتي الفجر ، وأشار إليه بقوله - عز وجل - يوم عسير على الكافرين غير يسير ( حتى يقضى ) على بناء المفعول أي يحكم ( بين العباد ) وفيه إشارة إلى أنه في العذاب وبقية الخلق في الحساب ، ولذا قيل : الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب ( فيرى ) على صيغة المجهول من الرؤية أو الإراءة وقوله ( سبيله ) مرفوع على الأول ، ومنصوب بالمفعول الثاني على الثاني ، وفي نسخة : فيرى بالمعلوم من الرؤية ، أي هو سبيله . قال النووي - رحمه الله - : ضبطناه بضم الياء وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها ، وفيه إشارة إلى أن مسلوب الاختيار يومئذ مقهور ، لا يقدر أن يروح إلى النار ، فضلا عن الجنة ، حتى يعين له أحد السبيلين ( إما إلى الجنة ) إن لم يكن له ذنب سواه وكان العذاب تكفيرا له ( وإما إلى النار ) إن كان على خلاف ذلك ، وفيه رد على من يقول إن الآية مختصة بأهل الكتاب ، ويؤيده القاعدة الأصولية أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، مع أنه لا دلالة في الحديث على خلوده في النار ، وبهذا يعلم ضعف قول ابن حجر أيضا ، إما إلى الجنة إن كان مؤمنا بأن لم يستحل ترك الزكاة ، وإما إلى النار إن كان كافرا بأن استحل تركها ، ( قيل : يا رسول الله فالإبل ) أي هذا حكم النقود ، فالإبل ما حكمها ؟ أو عرفنا حكم النقدين فما حكم الإبل ؟ فالفاء متصل بمحذوف ( قال : ولا صاحب إبل ) بالرفع أي يوجد ، ويكون ، قيل : بالجر عطفا على قوله من صاحب ذهب ، والحاصل أنه ليس جوابا للسؤال لفظا لوجود الواو بل جواب له معنى من باب تلقين العطف ، لكن معنى لا لفظا ( لا يؤدي ) صفة أي لا يعطي صاحب الإبل ( منها حقها ) أي الواجب عليه فيها ( ومن حقها ) أي المندوب و " من " تبعيضية ( حلبها ) قال النووي : بفتح اللام هي اللغة المشهورة ، وحكي سكونها وهو غريب ضعيف ، وإن كان هو القياس ( يوم وردها ) قيل : الورد الإتيان إلى الماء ، ونوبة الإتيان إلى الماء فإن الإبل تأتي الماء في كل ثلاثة أو أربعة ، وربما تأتي في ثمانية ، قال الطيبي : ومعنى حلبها يوم وردها أن يسقى ألبانها المارة ، وهذا مثل نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الجذاذ بالليل ، أراد أن يصرم بالنهار ليحضرها الفقراء ، وقال ابن الملك : وحصر يوم الورد لاجتماعهم غالبا على المياه ، وهذا على سبيل الاستحباب ، وقيل معناه : ومن حقها أن يحلبها في يوم شربها الماء دون غيره ، لئلا يلحقها مشقة العطش ، ومشقة الحلب ، واعلم أن ذكره وقع استطرادا وبيانا لما ينبغي أن يعتني به من له مروءة لا لكون التعذيب يترتب عليه أيضا لما هو مقرر من أن العذاب لا يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم ، اللهم إلا أن يحتمل على [ ص: 1264 ] وقت القحط أو حالة الاضطرار أو على وجوب ضيافة المال ، وهذا معنى ما قيل : إن حقها الأول أعم من الثاني ، وقيل : يحتمل أن التعذيب عليهما معا تغليظ ( إلا إذا كان يوم القيامة ) استثناء مفرغ من أعم الأحوال ( بطح ) أي ألقي ذلك الصاحب على وجهه ( لها ) أي لتلك الإبل ، وفي نسخة له : أي لإبله أو لفعله ، أو أقيم مقام الفاعل . قال التوربشتي : وفي بعض النسخ له بالتذكير وهو خطأ رواية ودراية ، لأن الضمير المرفوع في الفعل لصاحب الإبل والمجرور للإبل ليستقيم ، ولأن المبطوح المالك لا الإبل ، قال الطيبي : أما التمسك بالرواية فمستقيم وأما بالمعنى فلم لا يجوز أن يذكر الضمير لإرادة الجنس ، أو لتأويل المذكور ، على أنه يجوز أن يرجع الضمير لصاحب الإبل ، ويكون الجار والمجرور قائما مقام الفاعل ، كما في قوله - تعالى - يسبح له فيها بالغدو والآصال ( بقاع ) أي في أرض واسعة مستوية ( قرقر ) أي أملس ، وقيل : أي مستو فيكون صفة مؤكدة ( أوفر ما كانت ) أي أكثر عددا وأعظم سمنا ، وأقوى قوة ، في شرح السنة يريد كمال حال الإبل ، التي وطئت صاحبها في القوة والسمن ، ليكون أثقل لوطئها . قال الطيبي : أوفر مضاف إلى ما المصدرية ، والوقت مقدر ، وهو منصوب على الحال من المجرور في لها ، والعامل بطح ، وقوله ( لا يفقد ) أي الصاحب ( منها ) أي من الإبل ( فصيلا ) أي ولد إبل ( واحدا ) تأكيد والجملة مؤكد لقوله أوفر ( تطؤه ) حال أو استئناف بيان أي تضربه وتدوسه الإبل ( بأخفافها ) أي بأرجلها ( وتعضه ) بفتح العين أي تقرضه وتقطع جلده ( بأفواهها ) أي بأسنانها ( كلما مر عليه أولاها ) أي أولى الأبل ( رد عليه أخراها ) قالوا : الظاهر أن يقال عكس ذلك ، كما في بعض الروايات لمسلم ، وهو كلما مر عليه أخراها رد عليه أولاها ، وتوجيه ما في الكتاب إنه مرت الأولى على التتابع فإذا انتهى إلى الأخرى إلى الغاية ردت من هذه الغاية ، وتبعها ما كان يليها فما يليها ، إلى أولها فيحصل الغرض من الاستمرار والتتابع على طريق الطرد ، والعكس ، فهو أولى من العكس ، والحاصل أنه يحصل هذا مرة بعد أخرى ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد ) فكأنهم ليسوا من العباد ، حيث لم يرحموا فقراء البلاد من الزهاد والعباد ( فيرى ) أي فيعلم ( سبيله إما إلى الجنة ) إن مات على الإيمان ( وإما إلى النار ) إن مات على الكفران ( قيل : يا رسول الله فالبقر والغنم ؟ ) أي كيف حال صاحبها ( قال : " ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدي منها " ) أي من أجلها فلا يلزم أن يكون من جنسها ( حقها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها ) وفي نسخة له ( بقاع قرقر لا يفقد منها ) أي من ذواتها وصفاتها ( شيئا ) قال الطيبي : أي قرونها سليمة ( ليس فيها عقصاء ) أي ملتوية القرنين ( ولا جلحاء ) أي لا قرن لها ( ولا عضباء ) أي مكسورة القرن ، ونفي الثلاثة عبارة عن سلامة قرونها ليكون أجرح للمنطوح ، وظاهر الحديث أن هذه الصفات فيها معدومة في العقبى ، وإن كانت موجودة لها الدنيا ، وظاهر البعث أن يعيد الله - تعالى - الأشياء على ما كانت عليه في الحالة الأولى كما هو مفهوم من الكتاب والسنة ، ولعله يخلقها أولا كما كانت ، ثم يعطيها القرون ليكون سببا لعذابه على وجه الشدة ، والله أعلم ( تنطحه ) بفتح الطاء وتكسر في القاموس نطحه كمنعه وضربه أصابه بقرنه فقوله ( بقرونها ) إما تأكيد وإما تجريد ( وتطؤه بأظلافها ) جمع ظلف وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر بالفرس ( كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ، قيل : يا رسول الله : فالخيل ، قال : " فالخيل " ) قال الطيبي : جواب على أسلوب الحكيم ، وله توجيهان ، فعلى مذهب الشافعي معناه دع السؤال عن الوجوب ، إذ ليس فيه حق واجب ، ولكن اسأل عما يرجع من اقتنائها على صاحبها من المضرة والمنفعة ، وعلى مذهب : معناه لا تسأل عما وجب فيها من الحقوق ، وحده ، بل اسأل عنه وعما يتصل [ ص: 1265 ] بها من المنفعة والمضرة ، إلى صاحبها ، فإن قيل كيف يستدل بهذا الحديث على الوجوب ؟ قلت : بعطف الرقاب على الظهور ، لأن المراد بالرقاب الذوات ، إذ ليس في الرقاب منفعة للغير ، كما في الظهور ، وبمفهوم الجواب الآتي في الحمر من قوله - صلى الله عليه وسلم - ما أنزل علي في الحمر شيء ، وأجاب القاضي عنه : بأن معنى قوله ثم لم ينس حق الله في رقابها أداء زكاة تجارتها اهـ قال ابن حجر : أي فالخيل ما حكمها ؟ أيجب فيها زكاة فيعاقب تاركها لذلك ، أو لا فلا ، قال : فالخيل أحكامها ثلاثة أخرى ، أي غير ما مر ، فلا زكاة فيها حتى يعاقب تاركها ، هذا ما يدل عليه السياق الذي يكاد أن يقرب من الصريح عند من له أدق مسكة من إنصاف فهو من جملة أدلة مذهبنا أنه لا زكاة فيها ، قلت : أما ما ذكره من السياق فهو من المكابرة عند الحذاق لأن سوق الكلام إلى هذا المقام ، بل محض المقصود ، والمرام هو وجوب الزكاة في النقود والحيوانات ثم على تقدير تقريره لا يكون الجواب مطابقا بل ولا يكون دليلا لأحد مطلقا ، فلهذا حمله المحققون على أسلوب الحكيم ، ونزلوه على كل مذهب بما يقتضيه الطبع السليم ، ثم قال : وأما قول القائلين بوجوبها فيها التقدير أحكامها ثلاثة غير الزكاة ، فهو مما ينبو عنه اللفظ ، فلا يسمع اهـ وهل هذا مناقضة بين كلاميه ومدافعة بين تقديريه لأن التقدير الثاني هو عين الأول عند من له سمع وقلب ، فتأمل ، وأما قوله : فلا زكاة فيها فباطل من عنده تقوية لمذهبه ، ثم أطال بما لا طائل تحته ، مع ما فيه من أنواع الزلل ، وأصناف الخطل أعرضنا عن ذكرها خوفا من السآمة والملل ( ثلاثة ) أي ربطها على ثلاثة أنحاء ( هي ) أي الخيل ( لرجل وزر ) أي ثقل وإثم ( وهي لرجل ستر ) أي لحاله في معيشته لحفظه عن الاحتياج والسؤال ( وهي لرجل أجر ) أي ثواب عظيم . قال الطيبي - رحمه الله - في قوله " فالخيل ثلاثة " : فيه جمع وتفريق وتقسيم ، أما الجمع فقوله ثلاثة ، وأما التفريق فقوله ( فأما التي هي له وزر فرجل ) الظاهر أن يقال فخيل ربطها ، أو يقال : وأما الذي له وزر فرجل ، والأظهر أن يكون التقدير فخيل رجل ( ربطها رياء ) بالهمز ويبدل أي ليرى الناس عظمته في ركوبه ، وحشمته ( وفخرا ) أي يفتخر باللسان على من دونه من أفراد الإنسان ( ونواء ) بكسر النون والمد والواو بمعنى أو أي منازعة ومعاداة ( على أهل الإسلام ) قال ابن الملك : وفي رواية : ربطها تغنيا وتعففا ، أي استغناء بها ، وطلبا لنتاجها ، وتعففا عن السؤال ، يعني ليركبها عند الحاجة ، ولا يسأل مركوبا من أحد اهـ كلامه وأنت لا يخفى عليك أن ما ذكره ليس موجبا للوزر ، بل للستر بلا خلاف ، فالصواب أن محل هذه الرواية في الرجل الثاني كما سيأتي ( فهي ) أي تلك الخيل ( له وزر ) أي على ذلك القصد فهي جملة مؤكدة مشعرة باهتمام الشارع به ، والتحذير عنه ( وأما التي هي له ستر فرجل ربطها في سبيل الله ) قال ابن الملك : ليجاهد ، والصواب ما قاله الطيبي : من أنه لم يرد به الجهاد ، بل النية الصالحة ، إذ يلزم التكرار اهـ وأيضا إذا أراد به الجهاد فتكون له أجرا ، فكيف يقال إنها له ستر ، وقال الطيبي يعضده رواية غيره : ورجل ربطها تغنيا وتعففا ، أي استغناء بها وتعففا عن السؤال ، أو هو أن يطلب بنتاجها العفة والغنى ، أو يتردد عليها متاجرة ومزارعة فتكون سترا له يحجبه عن الفاقة ( ثم لم ينس حق الله في ظهورها ) أي بالعارية للركوب أو الفحل ( ولا رقابها ) قال الطيبي : إما تأكيد وتتمة للظهور وإما دليل على جواب الزكاة فيها اهـ والثاني هو الظاهر ، لأن الحمل على التأسيس أولى من التأكيد ، إذ الأصل في العطف المغايرة فيكون كالإبل فيها حقان ( فهي له ستر ) أي حجاب يمنعه عن الحاجة للناس ( وأما التي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام ) فيه إشارة إلى أن المراد به الجهاد ، فإن نفعه متعد إلى أهل الإسلام ( في مرج ) بفتح الميم وسكون الراء أي مرعى ، في النهاية ، هو الأرض الواسعة ، ذات نبات كثير ، يمرج فيها الدواب أي تسرح ، والجار متعلق بربط ( وروضة ) عطف تفسير أو الروضة أخص من المرعى ، وفي نسخة المصابيح بلفظ : أو ، قال ابن الملك : شك من الراوي ( فما أكلت ) [ ص: 1266 ] أي الخيل ( من ذلك المرج ) بيان مقدم ( أو الروضة من شيء ) أي من العلف والأزهار قل أو كثر ( إلا كتب له عدد ما أكلت ) أي الذي أكلته من العشب والزرع ( حسنات ) بالرفع نائب الفاعل ونصب عدد على نزع الخافض ، أي بعدد مأكولاتها ( وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات ) لأن بها بقاء حياتها مع أن أصلها قبل الاستحالة غالبا من مال مالكها ( ولا تقطع ) أي الخيل ( طولها ) بكسر الطاء وفتح الواو أي حبلها الطويل الذي شد أحد طرفيه في يد الفرس والآخر في وتد أو غيره لتدور فيه وترعى من جوانبها ولا تذهب لوجهها ( فاستنت ) بتشديد النون أي عدت ومرجت ونشطت لمراحها أو نشاطها ( ولا راكب عليها شرفا ) أي شوطا أو ميدانا أو موضعا عاليا من الأرض ، أو ذهابا إلى إخراج المرج أو مع العود إلى محلها ( أو شرفين ) وإنما سمي شرفا لأن الدابة تعدو حتى تبلغ شرفا من الأرض أي مرتفعا فتقف عند ذلك وقفة ، ثم تعدو ما بدا لها ( إلا كتب الله له عدد آثارها ) أي بعدد خطاها ( وأرواثها ) أي في تلك الحالة ( حسنات ) ولعله أراد بالروث هنا ما يشمل البول أو أسقطه للعلم به منه ( ولا مر بها ) أي جاوزها ( صاحبها على نهر ) بفتح الهاء وسكونها ( فشربت منه ) أي الخيل ( ولا يريد ) أي والحال أن صاحبها لا ينوي ( أن يسقيها ) بفتح الياء وضمها ( إلا كتب الله عدد ما شربت حسنات ) قال الطيبي : فيه مبالغة في اعتداد الشرب لأنه إذا اعتبر ما تستقذره النفوس وتنفر عنه الطباع فكيف بغيرها ، وكذا إذا احتسب ما لا نية له فيه وقد ورد : وإنما لكل امرئ ما نوى ، فما بال ما إذا قصد الاحتساب فيه ، قال ابن الملك : فالحاصل أنه يجعل لمالكها بجميع حركاتها وسكناتها وفضلاتها حسنات ( قال : يا رسول الله الحمر ) بضمتين جمع حمار أي ما حكمها ؟ قال ابن الملك : أي هل تجب فيها الزكاة ( قال : ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية ) بالرفع والنصب ( الفاذة ) بالذال المعجمة المشددة أي المنفردة في معناها ( الجامعة ) لجميع الخيرات ، قال ابن الملك : يعني ليس في القرآن آية مثلها في قلة الألفاظ وجمع معان الخير والشر . قال الطيبي : سميت جامعة لاشتمال اسم الخير على جميع أنواع الطاعات : فرائضها ونوافلها ، واسم الشر على ما يقابلها من الكفر والمعاصي ، صغيرها وكبيرها ، وأما قول ابن حجر أي الجامعة أو المنفردة فمبني على سهو في أصله من سقوط لفظ الجامعة من متن الحديث ، وهو مخالف للأصول ( فمن يعمل مثقال ذرة ) أي مقدار نملة أو ذرة من الهباء الطائر في الهواء ( خيرا يره ) أي يرى ثوابه وجزاءه ( ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) فلو أعان واحدا على ركوبها يثاب ، ولو استعان بركوبها على فعل معصية يعاقب ، فقد روى الأصفهاني عن ابن عباس مرفوعا : " النادم ينظر من الله الرحمة ، والمعجب ينظر من الله المقت ، واعلموا يا عباد الله أن كل عامل سيندم عمله ولا يخرج من الدنيا حتى يرى حسن عمله ، وسوء عمله ، وإنما الأعمال بخواتيمها ، والليل والنهار مطيتان ، فأحسنوا السير عليهما إلى الآخرة ، واحذروا التسويف ، فإن الموت يأتي بغتة ، ولا يغترن أحدكم بحلم الله ، فإن الجنة والنار أقرب إلى أحدكم من شراك نعله ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره " ( رواه مسلم ) .




الخدمات العلمية