الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
2406 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة ألا وهما يسير ومن يعمل بهما قليل ، يسبح الله في دبر كل صلاة عشرا ، ويحمده عشرا ، ويكبره عشرا ) قال : وأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعقدها بيده قال : ( فتلك خمسون ، ومائة باللسان ، وألف وخمسمائة في الميزان ، وإذا أخذ مضجعه يسبحه ويكبره ويحمده مائة فتلك مائة باللسان وألف في الميزان ، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة ؟ ! قالوا : وكيف لا نحصيها ؟ ! قال : يأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته فيقول : اذكر كذا اذكر كذا حتى ينفتل فلعله أن لا يفعل ، ويأتيه في مضجعه فلا يزال ينومه حتى ينام ) رواه الترمذي وأبو داود والنسائي ، وفي رواية أبي داود قال : ( خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم ) ، وكذا في روايته بعد قوله : وألف وخمسمائة في الميزان قال : ( ويكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثا وثلاثين ويسبح ثلاثا وثلاثين ) وفي أكثر نسخ المصابيح عن عبد الله بن عمر .

التالي السابق


2406 - ( وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ) بحذف الياء وجواز إثباتها ( قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خلتان ) بفتح الخاء أي : خصلتان ( لا يحصيهما رجل مسلم ) أي : لا يحافظ عليهما كما في رواية ( أو لا يأتي بهما ) عبر عن المأتى به بالإحصاء لأنه من جنس المعدودات ، أو لا يطيقهما ، أو لا يأتي عليهما بالإحصاء كالعاد للشيء ( إلا دخل الجنة ) أي : من الناجين وهو استثناء مفرغ ( ألا ) حرف تنبيه ( وهما ) أي : الخصلتان وهما الوصفان ، كل واحد منهما ( يسير ) أي : سهل خفيف لعدم صعوبة العمل بهما على من يسره الله ( ومن يعمل بهما ) أي : على وصف المداومة ( قليل ) أي : نادر لعزة التوفيق قال تعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وهم مع ذلك كثير في المعنى كبير في المبنى ، وجملة التنبيه معترضة لتأكيد التحضيض على الإتيان بهما والترغيب في المداومة عليهما ، والظاهر أن الواو في وهما للحال ، والعامل فيه معنى التنبيه ، فتنبيه ( يسبح الله ) بيان لإحدى الخلتين ، والضمير للرجل المسلم ( في دبر كل صلاة ) أي : عقب كل صلاة ( مفروضة عشرا ، ويحمده عشرا ، ويكبره عشرا ، قال ) أي : ابن عمرو ( فأنا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعقدها ) أي العشرات ( بيده ) أي : بأصابعها أو بأناملها أو بعقدها ، وأما قول ابن حجر : مر الأمر بالعقد بالأنامل في حديث فيحتمل أنه مخير ويحتمل أن المراد باليد الأنامل ويحتمل العكس ، ففيه أن الحمل على الحقيقة أولى لا سيما [ ص: 1669 ] وهي صادقة على الوجوه المحتملة من غير إرادة المجاز مع أن ذكر الأنامل وإرادة اليد بعيد جدا عن المقصود فتأمل ( قال ) وفي نسخة فقال أي النبي - صلى الله عليه وسلم - ( فتلك ) أي : العشرات الثلاث دبر كل صلاة من الصلوات الخمس ( خمسون ومائة ) أي : في يوم وليلة حاصلة من ضرب ثلاثين في خمسة أي : مائة وخمسون حسنة ( باللسان ) أي : بمقتضى نطقه في العدد ( وألف وخمسمائة في الميزان ) لأن كل حسنة بعشر أمثالها على أقل مراتب المضاعفة الموعود في الكتاب والسنة ( وإذا أخذ مضجعه ) بيان للخلة الثانية : وإذا للظرفية المجردة أي : وحين يأخذ الرجل المسلم مرقده ( يسبحه ) أي : ثلاثا وثلاثين ( ويكبره ) أربعا وثلاثين ( ويحمده ) أي : ثلاثا وثلاثين . فقوله ( مائة ) عدد المجموع ، ويؤخذ من هذا الحديث جواز توسط التكبير بين التسبيح والتحميد ، ويجوز أن يجعل التسبيح والتكبير ثلاثا وثلاثين والتحميد أربعا وثلاثين تكملة للمائة والله أعلم ، ( فتلك ) أي : المائة من أنواع الذكر ( مائة ) أي : مائة حسنة ( باللسان ) وفي نسخة في اللسان ( وألف ) أي : ألف حسنة على جهة المضاعفة ( في الميزان فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة ؟ ! ) الفاء جواب شرط محذوف ، وفي الاستفهام نوع إنكار يعني إذا حافظ على الخصلتين وحصل ألفان وخمسمائة حسنة في اليوم والليلة فيعفى عنه بعدد كل حسنة سيئة كما قال تعالى : إن الحسنات يذهبن السيئات فأيكم يأتي بأكثر من هذا من السيئات في يومه وليلته حتى لا يصير معفوا عنه ؟ ! فما لكم لا تأتون بهما ولا تحصونهما ؟ ! ( قالوا : وكيف لا نحصيها ؟ ! ) أي : المذكورات ، وفي نسخة لا نحصيهما أي : الخصلتين ، قال الطيبي : أي كيف لا نحصي المذكورات في الخصلتين وأي شيء يصرفنا ، فهو استبعاد لإهمالهم في الإحصاء فرد استبعادهم بأن الشيطان يوسوس له في الصلاة حتى يغفل عن الذكر عقيبها وينومه عند الاضطجاع كذلك وهذا معنى قوله ، ( قال ) أي النبي - صلى الله عليه وسلم - ( يأتي أحدكم ) مفعول مقدم ( الشيطان وهو في صلاته فيقول ) أي : يوسوس له ويلقي في خاطره ( اذكر كذا اذكر كذا ) من الأشغال الدنيوية والأحوال النفسية الشهوية ، أو ما لا تعلق لها بالصلاة ولو من الأمور الأخروية ( حتى ينفتل ) أي : ينصرف عن الصلاة ( فلعله ) أي : فعسى ( أن لا يفعل ) أي : الإحصاء ، قيل : الفاء في فلعله جزاء شرط محذوف يعني إذا كان الشيطان يفعل كذا فعسى الرجل أن لا يفعل ، وإدخال أن في خبره دليل على أن لعل هنا بمعنى عسى وفيه إيماء إلى أنه إذا كان يغلبه الشيطان عن الحضور المطلوب المؤكد في صلاته ، فكيف لا يغلبه ولا يمنعه عن الأذكار المعدودة من السنن في حال انصرافه عن طاعته ؟ ( ويأتيه ) أي : الشيطان أحدكم ( مضجعه فلا يزال ينومه ) بتشديد الواو أي : يلقي عليه النوم ( حتى ينام ) أي : بدون الذكر ( رواه الترمذي وأبو داود والنسائي ، وفي رواية أبي داود قال : خصلتان أو خلتان ) أي : على الشك ( لا يحافظ عليهما عبد مسلم ) أي : بدل لا يحصيهما رجل مسلم ( وكذا في روايته ) أي : رواية أبي داود . ( بعد قوله وألف وخمسمائة في الميزان ، قال : ويكبر أربعا وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثا وثلاثين ويسبح ثلاثا وثلاثين ، وفي أكثر نسخ المصابيح عن عبد الله بن عمر ) أي : بدون الواو .

[ ص: 1670 ]



الخدمات العلمية