الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
مشكاة المصابيح 285 - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ - فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ ، فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ ، خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ ، حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ . مرقاة المفاتيح 285 - ( وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ - أَوِ الْمُؤْمِنُ ) : شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي فِي لَفْظِ النُّبُوَّةِ وَإِلَّا فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي حُكْمِ الْمُؤْمِنِ ( فَغَسَلَ وَجْهَهُ ) : عَطْفٌ عَلَى تَوَضَّأَ عَطْفَ تَفْسِيرٍ ، أَوِ الْمُرَادُ إِذَا أَرَادَ الْوُضُوءَ وَهُوَ الْأَوْجَهُ ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمَثُوبَةِ ( خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ ) جَوَابُ إِذَا ( كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا ) إِلَى الْخَطِيئَةِ يَعْنِي إِلَى سَبَبِهَا إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ مُبَالَغَةً ( بِعَيْنَيْهِ ) قَالَ الطِّيبِيُّ : تَأْكِيدٌ ، وَزَادَ ابْنُ حَجَرٍ لِلْمُبَالَغَةِ وَإِلَّا فَالنَّظَرُ لَا يَكُونُ بِغَيْرِ الْعَيْنِ اهـ . وَهُوَ مُوهِمٌ أَنَّهُ مِنْ بَابِ رَأَيْتُهُ بِعَيْنِي وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِنَظَرٍ بِإِحْدَى الْعَيْنَيْنِ وَقَدْ يَكُونُ بِهِمَا ( مَعَ الْمَاءِ ) : أَيْ : مَعَ انْفِصَالِهِ وَالْجُمْلَةُ الْمَجْرُورَةُ الْمَحَلِّ صِفَةُ الْخَطِيئَةِ مَجَازًا ، وَكَذَا أَخَوَاتُهُ ( أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ ) قِيلَ : أَوْ لِشَكِّ الرَّاوِي ، وَقِيلَ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ ، وَالْقَطْرُ إِجْرَاءُ الْمَاءِ وَإِنْزَالُ قَطْرِهِ ( فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِنْ يَدَيْهِ ) : أَيْ : ذَهَبَ وَمُحِيَ ( كُلُّ خَطِيئَةٍ كَانَ بَطَشَتْهَا ) : أَيْ : أَخَذَتْهَا ( يَدَاهُ ) كَمُلَامَسَةِ الْمُحَرَّمَةِ . قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ : يَدَاهُ لِلتَّأْكِيدِ وَفِيهِ مَا سَبَقَ ( مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا : الضَّمِيرُ لِلْخَطِيئَةِ وَنُصِبَتْ بِنَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ : مَشَتْ بِهَا إِلَى الْخَطِيئَةِ أَوْ يَكُونُ مَصْدَرًا أَيْ : مَشَتِ الْمِشْيَةَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ ) أَيِ اجْعَلِ الْجَعْلَ . ( رِجْلَاهُ ) : قَالَ الطِّيبِيُّ : تَأْكِيدٌ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ ( مَعَ الْمَاءِ ، أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ ) أَيْ : ذُنُوبِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَوْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ مِنَ الصَّغَائِرِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ : أَيْ يَفْرُغُ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ وُضُوئِهِ طَاهِرًا مِنَ الذُّنُوبِ أَيِ الَّتِي اكْتَسَبَهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَغْفُورَ ذُنُوبُ أَعْضَائِهِ الْمَغْسُولَةِ ، فَالتَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ غُفْرَانَ جَمِيعِ الْجَسَدِ يَكُونُ عِنْدَ التَّوَضُّؤِ بِالتَّسْمِيَةِ يُشِيرُ إِلَيْهِ إِحْسَانُ الْوُضُوءِ وَغُفْرَانُ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ يَكُونُ عِنْدَ عَدَمِ التَّسْمِيَةِ اهـ . وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ نَصٌّ عَلَى غُفْرَانِ جَمِيعِ الذُّنُوبِ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : مِنْ جَسَدِهِ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ بَدَنِهِ ، أَوْ أَعْضَاءَ الْوُضُوءَ يُشِيرُ إِلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . هَذَا وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فَإِنْ قِيلَ : ذَكَرَ لِكُلِّ عُضْوٍ مَا يُخَصُّ بِهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَمَا يُزِيلُهَا عَنْ ذَلِكَ وَالْوَجْهُ مُشْتَمِلٌ عَلَى الْعَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ فَلِمَ خُصَّتِ الْعَيْنُ بِالذِّكْرِ ؟ أُجِيبَ : بِأَنَّ الْعَيْنَ طَلِيعَةُ الْقَلْبِ وَرَائِدُهُ ، فَإِذَا ذُكِرَتْ أَغْنَتْ عَنْ سَائِرِهَا ، وَيُعَضِّدُهُ الْخَبَرُ الْآتِي : فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ اهـ . وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ الْأَنْفَ وَاللِّسَانَ بِالْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ وَالْأُذُنَ بِالْمَسْحِ فَيَتَعَيَّنُ الْعَيْنُ وَسَيَأْتِي فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مَا هُوَ كَالتَّصْرِيحِ بِذَلِكَ ، أَوْ يُقَالُ : خُصَّتِ الْعَيْنُ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ عَدَمُ خُرُوجِ ذُنُوبِهَا لِعَدَمِ غَسْلِ دَاخِلِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ ذَكَرَ مَا يُؤَيِّدُ قَوْلِي حَيْثُ قَالَ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ الطِّيبِيِّ : وَجَعْلُ الْأُذُنِ مِنَ الْوَجْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ عِنْدَنَا ، بَلْ هِيَ لَيْسَتْ مِنَ الْوَجْهِ وَلَا مِنَ الرَّأْسِ وَخَبَرُ الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ ضَعِيفٌ ، وَكَوْنُ الْعَيْنِ طَلِيعَةً كَمَا ذُكِرَ لَا يُنْتِجُ الْجَوَابَ عَنْ تَخْصِيصِ خَطِيئَتِهَا بِالْمَغْفِرَةِ كَمَا هُوَ جَلِيٌّ ، بَلِ الَّذِي يَتَّجِهُ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّخْصِيصِ هُوَ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْأُذُنِ لَهُ طَهَارَةٌ مَخْصُوصَةٌ خَارِجَةٌ عَنْ طَهَارَةِ الْوَجْهِ ، فَكَانَتْ مُتَكَلِّفَةً بِإِخْرَاجِ خَطَايَاهُ بِخِلَافِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا طَهَارَةٌ إِلَّا فِي غَسْلِ الْوَجْهِ فَخُصَّتْ خَطِيئَتُهَا بِالْخُرُوجِ عِنْدَ غَسْلِهِ دُونَ غَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ فَتَأَمَّلْهُ اهـ . وَقَوْلُهُ : خَبَرُ الْأُذُنَانِ ضَعِيفٌ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَالدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : ( الْأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ ) أَيْ حُكْمُهُمَا إِذْ لَمْ يُبْعَثْ لِبَيَانِ الْخِلْقَةِ ، وَقَدْ نَصَّ ابْنُ الْقَطَّانِ عَلَى صِحَّتِهِ أَيْضًا ( رَوَاهُ مُسْلِمٌ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية