الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
3389 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أعتق شقصا في عبد أعتق كله إن كان له مال ، فإن لم يكن له مال استسعى العبد غير مشقوق عليه ) . متفق عليه .

التالي السابق


3389 - ( وعن أبي هريرة عنه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من أعتق شقصا ) : بكسر فسكون أي : نصيبا ( في عبد ) وفي نسخة من عبد ( أعتق ) : بصيغة المجهول أي : العبد ( كله ) : أي على المعتق ( إن كان له مال ) : أي : يبلغ قيمة باقيه ( وإن لم يكن مال استسعي العبد ) : بصيغة المجهول أي : يستسعيه في غير ما أعتقه ( غير مشقوق عليه ) : بنصب ( غير ) على أنه حال ، وفي نسخة بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف هو . قال النووي رحمه الله : معنى الاستسعاء أن العبد يكلف بالاكتساب والطلب حتى يحصل قيمة نصيب الشريك الآخر ، فإذا دفعها إليه عتق ، كذا فسره الجمهور ، وقال بعضهم : هو أن يخدم سيده الذي لم يعتق بقدر ما له فيه من الرق ، فعلى هذا تتفق الأحاديث ، ومعنى ( غير مشقوق عليه ) . أي لا يكلف بما يشق عليه ، وفي شرح السنة قال بعضهم : أي لا يستغلي عليه في الثمن ( متفق عليه ) .

وفي شرح مسلم للنووي ، قال القاضي عياض رحمه الله : في ذكر الاستسعاء هنا خلاف بين الرواة . قال الدارقطني : روى هذا الحديث شعبة وهشام عن قتادة ، وهما أثبت ممن لم يذكرا فيه الاستسعاء ، ووافقهما همام ، ففصل الاستسعاء عن الحديث ، فجعله من رأي قتادة قال : وعلى هذا أخرجه البخاري وهو الصواب . قال الدارقطني : وسمعت أبا بكر النيسابوري يقول : ما أحسن ما رواه همام وضبطه ، ففصل قول قتادة عن الحديث . قال بعضهم : إسقاط السعاية من الحديث أولى من ذكرها ، ولأنها ليست في الأحاديث الأخر من رواية ابن عمر ، وقال ابن عبد البر : الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها . قال ابن الهمام : إذا أعتق المولى بعض عبد عتق ذلك القدر ، ويسعى في بقية قيمته لمولاه عند أبي حنيفة رحمه الله ، ويعتبر قيمته في الحال ، والاستسعاء أن يؤجره فيأخذ نصف قيمته من الأجرة ، ذكره في جوامع الفقه ، وسيجيء أنه إذا امتنع من السعاية فعل ذلك إذا كان له عمل معروف ، وهو يفيد أن معنى الاستسعاء غير هذا ، وإنما يصار إليه عند امتناعه ، فتكون الإجارة تنفذ عليه جبرا ، وظاهر أن هذا إذا عين مقدارا كربعك حر ونحوه ، [ ص: 2221 ] فلو قال : بعضك حر أو جزء منك أو شقصك أمر بالبيان ، وقالا : يعتق كله إذ العتق عندهما لا يتجزأ ، وهو قول الشافعي رحمه الله ، فيما إذا كان المولى واحدا ، أو كان الشريك والمعتق موسرين ، أما إذا كان لشريكين والمعتق معسر فيبقى ملك الساكت كما كان حتى جاز له بيعه عنده ، وفي المسألة قول الثوري والليث : أن الساكت بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء ضمن ولا سعاية أصلا ، وسبب هذا القول إعلالهم لفظ السعاية في حديث أبي هريرة ، قال النسائي : أثبت أصحاب قتادة شعبة وهشام على خلاف سعد بن أبي عروة ، يعني في ذكر السعاية . قال : وبلغني أن هماما روى هذا الحديث ، فجعل الكلام الأخير : ( إن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه ) من قول قتادة . وقال عبد الرحمن بن مهدي : أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره ، لأنه كتبها إملاء ، وقال الدارقطني : سمعت أبا بكر النيسابوري يقول : ما أحسن ما رواه همام وضبطه ، وفصل قول النبي - عليه الصلاة والسلام - عن قول قتادة ، ورواه ابن ماجه عن أبي عروة ، وجرير بن حازم عن قتادة ، وجعل الاستسعاء من قول النبي - عليه الصلاة والسلام - وأحسبهما وهما فيه كمخالفة شعبة وهشام .

قال الخطابي : واضطرب سعيد بن أبي عروبة في السعاية فمرة يذكرها ، فدل على أن ذلك ليس من متن الحديث ، ويدل على صحة ذلك حديث ابن عمر في الستة عنه - عليه الصلاة والسلام - يعني الحديث أول الباب .

قال صاحب تنقيح التحقيق : فيما قالوه نظر ، فإن سعيد بن أبي عروبة من الأثبات عن قتادة ، وليس بدون همام عنه ، وقد تابعه جماعة على ذكر الاستسعاء ، ورفعه إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - وهو جرير بن أبي حازم ، وأبان بن يزيد العطار ، وحجاج بن أرطأة ، ويحيى بن صبيح الخراساني .

قال الشيخ تقي الدين : وقد أخرجه الشيخان في صحيحيهما ، وحسبك بذينك برفعهما الاستسعاء ، قال ابن الهمام : وفي المسألة مذاهب أخر ضعيفة مثل : إنه لا يعتق شيء أصلا ولو بإذن الشريك ، لأنه لا يعتق الباقي ، ويستمر على مملوكيته وأن له التضمين وإن كان معسرا ، وهو منقول عن زفر ، وبشر المريسي ، وأن يعتق الباقي من بيت المال وهو قول ابن سيرين .

واعلم أنه نقل عن بعض العلماء النافين : رواية صحة الاستسعاء ، وأن المراد بها على تقدير صحتها أنه يستسعى إن اختار ذلك ، وأن هذا هو معنى قوله غير مشقوق عليه .




الخدمات العلمية