الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
3581 - وعن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه قال : كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي فأصاب جارية من الحي ، فقال له أبي : ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرجا ، فآتاه ، فقال : يا رسول الله إنى زنيت فأقم علي كتاب الله . فأعرض عنه ، فعاد ، فقال : يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب الله . حتى قالها أربع مرات ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنك قد قلتها أربع مرات فبمن قال : بفلانة . قال : هل ضاجعتها ؟ قال : نعم . قال : هل باشرتها ؟ قال : نعم . قال : هل جامعتها ؟ قال : نعم . قال : فأمر به أن يرجم ، فأخرج به إلى الحرة فلما رجم فوجد مس الحجارة ، فجزع ، فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس ، وقد عجز أصحابه ، فنزع له بوظيف بعير ، فرماه به ، فقتله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له فقال : هلا تركتموه لعله أن يتوب ، فيتوب الله عليه . رواه أبو داود .

التالي السابق


3581 - ( وعن يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه ) أي نعيم ( قال : كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي ) بفتح الحاء ويكسر أي في تربية أبي هزال عن أبيه ( فأصاب جارية ) أي جامع مملوكة ( من الحي ) أي القبيلة ( فقال له أبي ) أي هزال ( ائت ) أمر من الإتيان أي احضر ( رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك إنما ) وفي نسخة صحيحة وإنما ( يريد ) وفي نسخة هو يريد ( بذلك ) أي بما ذكر من الإتيان والإخبار ( رجاء أن يكون له مخرجا ) أي عن الذنب أي لا قصد أن يقع عليه الحد كما توهم بعضهم لكونه هزالا قال الطيبي : اسم كان يرجع إلى المذكور وخبره مخرجا وله ظرف لغو كما في قوله تعالى ولم يكن له كفوا أحد والمعنى يكون إتيانك وإخبارك رسول الله صلى الله عليه وسلم مخرجا لك وبنصره ما اتبعه من قوله ( فآتاه فقال : يا رسول الله إني زنيت ، فأقم علي كتاب الله ) أي حكمه ( فأعرض عنه ، فعاد ) أي فرجع بعدما غاب ( فقال : يا رسول الله إني زنيت ، فأقم علي كتاب الله حتى قالها ) أي هذه الكلمات ( أربع مرات ) أي في أربعة مجالس ( قال رسول الله : إنك قد قلتها أربع مرات فبمن ؟ ) أي فبمن زنيت ؟ وهذا دليل صريح في اعتبار العدد المذكور للإقرار بالزنا على الخصوص والحكمة فيه كمال ستره تعالى على عبده ، قال الطيبي : الفاء في قوله : فبمن ؟ جزاء شرط محذوف أي إذا كان كما قلت فبمن زنيت ؟ ( قال : بفلانة ) بفتح التاء وفي نسخة بالتنوين ( قال : هل ضاجعتها ؟ ) أي عانقتها ؟ ( قال : نعم ، قال : هل باشرتها ؟ ) أي وصل بشرتك بشرتها وقد يكنى بالمباشرة عن المجامعة قال تعالى فالآن باشروهن ( قال : نعم ) ( قال : هل جامعتها ؟ قال : نعم . قال ) أي الراوي ( فأمر به أن يرجم ) بدل اشتمال من الضمير المجرور في به ( فأخرج به ) بصيغة المجهول ( إلى الحرة ) قال الطيبي : وعدي أخرج بالهمزة والباء تأكيدا كما في قوله تعالى ( تنبت بالدهن ) قاله الحريري في درة الغواص قيل في جواز الجمع بين حرف التعدية في قراءة ضم التاء عدة أقوال والأحسن أنه إنما زيدت التاء ; لأن إنباتها الدهن بعد إنبات الثمر الذي يخرج الدهن منه فلما كان الفعل في المعنى قد تعلق بمفعولين يكونان في حال بعد حال وما الثمرة والدهن احتيج إلى تقويته في التعدي بالباء قال ابن الهمام : في الحديث الصحيح فرجمناه يعني ماعزا بالمصلى . وفي مسلم وأبي داود : فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد والمصلى [ ص: 2350 ] كان به ; لأن المراد مصلى الجنائز فيتفق الحديثان وأما في الترمذي من قوله : فأمر به في الرابعة فأخرج إلى الحرة فرجم بالحجارة فإن لم يتأول على أنه اتبع حين هرب حتى أخرج إلى الحرة وإلا فهو غلط ; لأن الصحاح والحسان متظافرة على أنه إنما صار إليها هاربا لا أنه ذهب به إليها ابتداء ليرجم بها ( فلما رجم فوجد مس الحجارة ) أي ألم إصابتها ( فجزع ) أي فلم يصبر ( فخرج أي من مكانه الذي يرجم فيه ( يشتد ) أي يسعى ويجري حال ( فلقيه ) أي فتلقاه ( عبد الله بن أنيس ) بالتصغير ( وقد عجز أصحابه ) أي أصحاب عبد الله أو أصحاب ماعز الذي يرجمونه والجملة حال ( فنزع له بوظيف بعير ) والوظيف على ما في القاموس مستدق الذراع والساق من الخيل والإبل وغيرهما وفي المغرب وظيف البعير ما فوق الرسغ من الساق ( فرماه به فقتله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ) أي جاء ابن أنيس ( فذكر ذلك ) أي جزعه وهربه ( له قال : هلا تركتموه ) جمع الخطاب ليشمله وغيره ( لعله أن يتوب ) أي يرجع عن إقراره ( فيتوب الله عليه ) أي فيقبل الله توبته ، ويكفر عنه سيئته من غير رجمه قال الطيبي : الفاءات المذكورة بعد لما في قوله فلما رجم إلى قوله : فقتله كل واحدة تصلح للعطف إما على الشرط أو على الجزاء إلا قوله : فوجد فإنه لا يصلح ; لأن يكون عطفا على الجزاء ، وقوله ، فقال : هلا تركتموه يصلح للجزاء وفي إشكال ; لأن جواب لما لا يدخله الفاء على اللغة الفصيحة ، وقد يجوز أن يقدر الجزاء ، ويقال : تقديره لما رجم فكان كيت فكيت علمنا حكم الرجم وما يترتب عليه وعلى هذا الفاءات كلها لا تحتمل إلا العطف على الشرط ( رواه أبو داود ) قال ابن الهمام : ورواه عبد الرزاق في مصنفه ، وقال : فيه فأمر به أن يرجم ، فرجم ، فلم يقتل حتى رماه عمر بن الخطاب بلحي بعير ، فأصاب رأسه ، فقتله ، وقال ابن الهمام : لو لم يكن الأربعة عددا معتبرا في اعتبار إفراده لم يؤخر رجمه إلى الثانية ، ومما يدل على ذلك ترتيبه صلى الله عليه وسلم الحكم عليها وهو مشعر بعليتها ، وكذا الصحابة فمن ذلك قوله في حديث هزال : إنك قد قلتها أربعا ، فبمن ؟ وهو حديث أخرجه أبو داود والنسائي والإمام أحمد ، وزاد فيه قال : هشام فحدثني يزيد بن نعيم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين رآه : والله يا هزال لو كنت سترته بثوبك لكان خيرا لك مما صنعت به . قال صاحب التنقيح : وإسناده صالح ، ويزيد بن نعيم روى له مسلم وذكره ابن حبان في الثقات وأبو نعيم ذكره في الثقات وهو مختلف في صحبته ، وقد روى ترتيبه عليه الصلاة والسلام على الأربع جماعة باللفظ مختلفة فمنها ما ذكرنا ومنها ما لفظ لأبى داود عن ابن عباس : إنك قد شهدت على نفسك أربع مرات . وفي لفظ لابن أبي شيبه : أليس أنك قلتها أربع مرات ؟ وتقدم في مسند أحمد عن أبي بكر أنه قال بحضرته عليه الصلاة والسلام : إن اعترفت الرابعة رجمك . إلا أن في إسناده جابرا الجعفي وكونه روي في الصحيح أنه رده مرتين أو ثلاثا فمن اختصار الراوي ولا شك أنه أقر أربعا ، فقوله في حديث العسيف : فإن اعترفت فارجمها معناه الاعتراف المعروف في الزنا بناء على أنه كان معلوما بين الصحابة خصوصا لمن كان قريبا من خاصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما كون الغامدية لم تقر إلا مرة واحدة فممنوع ، بل أقرت أربعا يدل عليه ما عند أبي داود والنسائي قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما وإنما رجمهما بعد الرابعة فهذا نص في إقرارها أربعا غاية ما في الباب أنه لم ينقل تفاصيلها والرواة كثيرا ما يحذفون بعض صورة الواقعة على أنه روى البزار في مسنده عن زكريا بن سليم ، حدثنا شيخ من قريش عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ، فذكره ، وفيه أنها أقرت أربع مرات وهو يردها ثم قال : اذهبي حتى تلدي الحديث . غير أن فيه مجهولا تنجبر جهالته بما يشهد له من حديث أبي داود والنسائي هذا وفي حديث أبي هريرة في استفسار ماعز أنه رجمه بعد الخامسة وتأويله أنه عند آحاد الإقرارين ، فإن منها إقرارين في مجلس واحد فكانت خمسا والله تعالى أعلم .

[ ص: 2351 ]



الخدمات العلمية