الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
3810 - وعنه قال : انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر ، وجاء المشركون . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض " قال عمير بن الحمام : بخ بخ ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما يحملك على قولك : بخ بخ ؟ " قال : لا والله يا رسول الله ! إلا رجاء أن أكون من أهلها . قال : " فإنك من أهلها " . قال : فأخرج تمرات من قرنه ، فجعل يأكل منهن . ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي إنها لحياة طويلة قال : فرمى بما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل . رواه مسلم .

التالي السابق


3810 - ( وعنه ) : أي أنس رضي الله عنه ( قال : انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ) : أي ذهبوا من المدينة ( حتى سبقوا المشركين إلى بدر ) : والمعنى أنهم نزلوا بدرا قبل الكفار . قال الطيبي : بدر موضع يذكر ويؤنث وهو اسم ماء . قال الشعبي : بئر بدر كانت لرجل يدعى بدرا ومنه يوم بدر ( وجاء المشركون ) : أي بعد المسلمين وتصافوا ( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : قوموا إلى جنة ) : أي عمل هو سبب دخولها ، أو أريد به المبالغة كما ورد : " الجنة تحت ظلال السيوف " رواه الحاكم عن أبي موسى . ( عرضها السماوات والأرض ) : تشبيه بليغ ; أي كعرض السماء والأرض كما في أية أخرى . قال الطيبي : عدي القيام بإلى لإرادة معنى المسارعة كما في قوله تعالى : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة ) ووصف الجنة بالعرض مبالغة عرفا ، وتخصيص العرض بها دون الطول دلالة على أن العرض إذا كان كذلك فما بال الطول ؟ . ( قال عمير ) : بالتصغير ( ابن الحمام ) : بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم ، وهو ابن الأجدع الأنصاري ، أحد بني سلمة قيل : إنه أول من قتل من الأنصار في الإسلام قتله خالد بن الأعلم . ( بخ بخ ) : بفتح الموحدة وسكون الخاء المعجمة ، وفي نسخة بالتنوين في الكلمتين ، وهي كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرر للمبالغة ، وهي مبنية فإن وصلت جرت ونونت فقلت : بخ بخ ، وربما شددت . وأصحاب الحديث يروونها بالسكون وقفا ووصلا ، كذا ذكره بعضهم ، وفى القاموس : بخ ; أي عظم الأمر تقال وحدها ويكرر : بخ بخ الأول منون ، والثاني مسكن ، ويقال : بخ بخ مسكنين ومنونين ومشددين كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء ، أو المدح ، أو الفخر . ( فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما يحملك ) : [ ص: 2468 ] قال : أي ما باعثك ؟ ( على قولك : بخ بخ ، قال : لا والله يا رسول الله ! ) : قال بعضهم : فهم عمير أنه - صلى الله عليه وسلم - توهم أن ذلك صدر من غير نية وروية شبيها بقول من سلك مسلك الهزل والمزاح ، فنفى عمير عن نفسه ذلك بقوله : لا والله يا رسول الله ( إلا رجاء ) : بترك التنوين ، وفي نسخة بالتنوين ، وفي نسخة رجاءة بالتاء . قال النووي في شرح مسلم قوله : إلا رجاءة في أكثر النسخ المعتمدة بالمد ونصب التاء ، وفي بعضها رجاء بلا تنوين ، وفي بعضها بالتنوين ممدودان بحذف التاء كلها صحيح معروف ، والمعنى إلا لطمع ( أن أكون من أهلها ) : أي من أهل الجنة ، فالاستثناء من مقدر ، وقيل الأولى أنه - صلى الله عليه وسلم - لما قال ( قوموا إلى الجنة ببذل الأرواح ) . قال عمير : بخ بخ تعظيما للأمر وتفخيما له ، فقال عليه السلام : " ما حملك على هذا التعظيم أخوفا قلت هذا أم رجاء ؟ " فقال : لا بل رجاء أن أكون من أهلها . ( قال ) : أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( فإنك من أهلها ) : خبر ، أو دعاء ( قال ) : أي الراوي ( فأخرج تمرات ) : بفتحات وفي نسخة تميرات بالتصغير للتقليل ( من قرنه ) : بقاف وراء مفتوحتين جعبة النشاب ( فجعل ) : أي شرع ( يأكل منهن ) : تقوية للبدن على الجهاد ( ثم قال ) : أي في أثناء أكلها ( لئن أنا حييت ) : بفتح فكسر ; أي عشت واللام موطئة للقسم وإن شرطية ، وأنا فاعل فعل مضمر يفسره ما بعده ( حتى آكل تمراتي ) : أي جميعها ( إنها لحياة طويلة ) : يعني والأمر أسرع من ذلك شوقا إلى الشهادة وذوقا إلى الشهود ، وهي جواب القسم واكتفي به عن جواب الشرط ( قال ) : أي الراوي ( فرمى بما كان معه ) : الباء زائدة لتقوية التعدية ; أي طرح جميع ما كان معه ( من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل ) : قال الطيبي : ويمكن أن يذهب إلى مذهب أصحاب المعاني ، فيقال : إن الضمير المنفصل قدم للاختصاص ، وهو على منوال قوله تعالى : ( قل لو أنتم تملكون ) فكأنه وجد نفسه مختارة للحياة على الشهادة ، فأنكر عليها ذلك الإنكار ، وإنما قال ذلك استبطاء للانتداب بما ندب به من قوله - صلى الله عليه وسلم - : " قوموا إلى جنة " . ; أي سارعوا إليها ومما ارتجز به عمير يومئذ قوله :

ركضا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد والصبر في الله على الجهاد
فكل زاد عرضة النفاد غير التقى والبر والرشاد

أي : اركض ركضا وأسرع إسراعا مثل إسراع الخيل وركضه ، خفف في القول كما خفف في الأكل مبادرة إلى ما انتدب إليه رضي الله عنه ، وأقبل عليه . ( رواه مسلم ) .




الخدمات العلمية