الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
3858 - وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه ، قال : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " الشهداء أربعة : رجل مؤمن جيد الإيمان ، لقي العدو فصدق الله حتى قتل ; فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا " ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته ، فما أدري أقلنسوة عمر أراد ، أم قلنسوة النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ورجل مؤمن جيد الإيمان ، لقي العدو ، كأنما ضرب جلده بشوك طلح ، من الجبن ، أتاه سهم غرب فقتله ، فهو في الدرجة الثانية . ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا ، لقي العدو فصدق الله حتى قتل ; فذلك في الدرجة الثالثة . ورجل مؤمن أسرف على نفسه ، لقي العدو ، فصدق الله حتى قتل ; فذاك في الدرجة الرابعة " . رواه الترمذي ، وقال : هذا حديث حسن غريب .

التالي السابق


3858 - ( وعن فضالة ) : بفتح الفاء ( ابن عبيد ) : بالتصغير أنصاري أوسي ، أول مشاهده أحد ، ثم شهد ما بعده ، وبايع تحت الشجرة ، روى عنه ميسرة مولاه وغيره . ( قال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : الشهداء أربعة ) ; أي : أنواع ، أو أربعة رجال ( رجل مؤمن جيد الإيمان ) ; أي : خالصه ، أو كامله بمعنى صالح العمل ، وهو الظاهر فيما سيأتي ( لقي العدو ) ; أي : من الكفار ( فصدق الله ) : بتخفيف الصاد ; أي : صدق بشجاعته ما عاهد الله عليه ، وفي نسخة بالتشديد ; أي : صدقه فيما وعد على الشهادة ( حتى قتل ) : بصيغة المجهول ; أي : حتى قاتل إلى أن استشهد . قال الطيبي رحمه الله : يعني أن الله وصف المجاهدين الذين قاتلوا لوجهه صابرين محتسبين فتحرى هذا الرجل بفعله ، وقاتل صابرا محتسبا ، فكأنه صدق الله تعالى بفعله قال تعالى : ( رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ) ( فذلك ) ; أي : المؤمن ( هو الذي يرفع الناس ) ; أي : عامة المؤمنين ( إليه أعينهم يوم القيامة هكذا ) : مصدر قوله : يرفع ; أي : رفعا مثل رفع رأسي هكذا كما تشاهدون ، ( ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته ) : بفتحتين فسكون فضم ; أي : طاقيته ، وهذا القول كناية عن تناهي رفعة منزلته ( فما أدري ) : هذا قول الراوي عن فضالة بناء على أن قوله : حتى سقطت كلام فضالة ، أو كلام عمر ، والمعنى فما أعلم ( أقلنسوة عمر أراد ) ; أي : فضالة ( أم ) : وفي نسخة : أو ( قلنسوة النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال ) ; أي : النبي - صلى الله عليه وسلم - وإعادته للفصل ( ورجل مؤمن جيد الإيمان ) : يعني لكن دون الأول في مرتبة الشجاعة ( لقي العدو كأنما ضرب ) ; أي : مشبها بمن طعن ( جلده بشوك طلح ) : بفتح فسكون وهو شجر عظيم من شجر العضاه . قال الطيبي : إما كناية عن كونه يقشعر شعره من الفزع والخوف ، أو عن ارتعاد فرائصه وأعضائه ، وقوله :

[ ص: 2496 ] ( من الجبن ) : بيان التشبيه . أقول : الأظهر أن من تعليلية ، والجبن ضد الشجاعة ، وهما خصلتان جبليتان مذكورتان في الإنسان ، وبه يعلم أن الغرائز الطبيعية المستحسنة من فضل الله ونعمه يستوجب العبد بها زيادة درجة ( أتاه سهم غرب ) ; أي : مثلا ، والتركيب توصيفي ، وجوز الإضافة والمعنى لا يعرف راميه ( قتله ) ; أي : ذلك السهم مجازا ( فهو في الدرجة الثانية ) : وفي الحديث إشعار بأن المؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ، كما روي ( ورجل مؤمن خلط عملا صالحا وآخر سيئا ) : الواو بمعنى الباء ، أو للدلالة على أن كل واحد منهما مخلوط بالآخر ، كما ذكره البيضاوي في تفسير قوله تعالى : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) : الواو بمعنى الباء ، أو للدلالة على أن كل واحد منهما مخلوط بالآخر ، كما ذكره البيضاوي في تفسير قوله تعالى : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) ( لقي العدو فصدق الله حتى قتل ) : أي : بوصف الشجاعة ( فذاك في الدرجة الثالثة . ورجل مؤمن أسرف على نفسه ) : أي : بكثرة المعاصي ، وفيه رد صريح على المعتزلة ( لقي العدو ، فصدق الله حتى قتل ) : أي : بوصف الشجاعة المفهوم من قوله فصدق الله ( فذاك في الدرجة الرابعة ) : وفي نسخة : فذلك وهو يناسب المراتب ; لأن ما قبله معبر بذاك وهو المتوسط ، وما قبله معبر بهو المناسب للقريب ، وأما ما قبله المعبر بذلك فهو للبعد المعنوي الذي لا يصل إليه كل أحد ، كما تقرر في قوله تعالى : ( ذلك الكتاب ) قال الطيبي : الفرق بين الثاني والأول مع أن كليهما جيد الإيمان أن الأول صدق الله في إيمانه ، لما فيه من الشجاعة ، وهذا بذل مهجته في سبيل الله ، ولم يصدق لما فيه من الجبن ، والفرق بين الثاني والرابع أن الثاني جيد الإيمان غير صادق بفعله ، والرابع عكسه فعلم من وقوعه في الدرجة الرابعة أن الإيمان والإخلاص لا يعتريه شيء وأن مبنى الأعمال على الإخلاص اه .

وفيه أنه لا دلالة للحديث على الإخلاص ، مع أنه معتبر في جميع مراتب الاختصاص ، بل الفرق بين الأولين بالشجاعة وضدها مع اتفاقهما في الإيمان وصلاح العمل ، ثم دونهما المخلط ، ثم دونهم المسرف مع اتصافهما بالإيمان أيضا ، ولعل الطيبي أراد بالمخلط من جمع بين نية الدنيا والآخرة ، وبالمسرف من نوى بمجاهدته الغنيمة ، أو الرياء والسمعة ، والله أعلم . ( رواه الترمذي . وقال : هذا حديث حسن غريب ) : أي : إسنادا ، ورواه أحمد ; أيضا عن عمر ، وليس في رواية الجامع الصغير قوله : فما أدري إلخ في البين .




الخدمات العلمية