الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
4043 - وعن البراء بن عازب رضي الله عنه ، قال : صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء : على أن من أتاه من المشركين رده إليهم ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام ، ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح والسيف والقوس ونحوه ، فجاء أبو جندل يحجل في قيوده ، فرده إليهم . متفق عليه .

التالي السابق


4043 - ( وعن البراء بن عازب قال : صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء ) أي : خصال ، أو شروط ( على أن من أتاه من المشركين ) أي : مسلما ( رده إليهم ، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه ) أي : إليه ، وهذا هو الأول ( وعلى أن يدخلها من قابل ويقيم بها ثلاثة أيام ) أي : وعلى أن لا يأتيهم في هذا العام وهذا هو الثاني . ( ولا يدخلها ) أي : وعلى أن لا يدخلها حين يدخلها ( إلا بجلبان السلاح ) : بضم الجيم واللام وتشديد الموحدة جراب من أدم يوضع فيه السيف مغمودا ، ويطرح في السوط والآلات ، فيعلق من أخرة الرحل ، ويروى بسكون اللام ( والسيف ، والقوس ونحوه ) بدل من السلاح ، والمراد أن تكون الأسلحة في أغمادها بلا تشهير السلاح ، كما في صورة القهر والغلبة ، وكان من عادة العرب أن لا يفارقهم في السلم والحرب . قال ابن الملك : المراد أنهم لا يدخلون مكة كاشفين سلاحهم متأهبين للحرب ، وبها شرطوه ليكون أمارة للسلم فلا يظن أنهم دخلوها قهرا ، واشتراطه هذه الشروط كان لضعف حال المسلمين وعجزهم عن مقاومة الكفار حينئذ ظاهر اهـ .

وتبع القاضي فيه حيث قال : شرط رد المسلم إلى الكفار فاسد يفسد الصلح إلا إذا كان بالمسلمين خور وعجز ظاهر ، ولذلك شرطه صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية اهـ . وهو خطأ ظاهر إذ لم يكن بالمسلمين ضعف حينئذ وهم قريب ألفين من شجعان العرب ، وقد غلبوا وهم ثلاثمائة أهل مكة ببدر ، وهم ألفان بل إنما كان الصلح لكونهم في الإحرام والحرم ، ولم يؤذنوا بالقتال فيه ، ولما رأى صلى الله عليه وسلم فيه من الحكم والمصالح الآتي بعضها ، ومنها قوله تعالى ( ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ) الآيات ، هذا وقد قال ابن الهمام : ولو حاصر العدو المسلمين وطلبوا الموادعة على مال يدفعه المسلمون إليهم لا يفعله الإمام لما فيه من إعطاء الدنية أي : النقيصة ، ومن ذلك قول عمر لأبي بكر رضي الله عنهما في الحديبية ، وكان متجانفا عن الصلح : أليس برسول الله ؟ قال أبو بكر : بلى ، قال : أولسنا بالمسلمين ؟ قال ؟ بلى ، قال : أوليسوا بالمشركين ؟ قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ فقال له أبو بكر رضي الله عنه : الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضي الله عنه : وأنا أشهد أنه رسول الله ذكره ابن إسحاق رضي الله عنه في السير . وفي الحديث : ليس للمؤمن أن يذل نفسه ، فالعزة خاصية الإيمان [ ص: 2620 ] قال تعالى : ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) إلا إذا خاف الإمام الهلاك على نفسه والمسلمين ، فلا بأس ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتد على الناس البلاء في وقعة الخندق أرسل إلى عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المزني ، وهما قائدا غطفان وأعطاهما ثلثي ثمار المدينة على أن يرجعوا بمن معهما ، فجرى بينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة . فذكر لهما ذلك ، فاستشارهما فيه فقالا : يا رسول الله أمرا تحبه فتصنعه أم شيئا أمرك الله به لا بد من العمل به ، أم شيئا تصنعه لنا ؟ قال : ( بل أصنعه لكم ، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد ، وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ) . فقال له سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا ونحن وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه ، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا شراء أو بيعا فحين كرمنا الله بالإسلام وهدانا له وعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا ما لنا بهذا من حاجة ، والله ما نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فأنت وذاك ) فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتابة ، ثم قال : ليجهدوا علينا . قال محمد بن إسحاق : حدثني به عاصم بن عمرو بن قتادة ، ومن لا أتهمه عن محمد بن سلمة بن عبد الله عن ابن شهاب الزهري اهـ .

وقد سبق له تحقيق مناسب للمقام أيضا فتدبر . وأغرب الطيبي حيث قال قوله : لم يردوه . فإن قلت : كيف أتى الجزاء هنا بلفظ المضارع ، وفيما سبق بلفظ الماضي ، وما فائدته عند علماء المعاني ؟ قلت : اهتمامهم بشأن رد المسلمين من أتاهم من المشركين أشد وأولى من ردهم المسلمين إليهم اهـ . ووجه غرابته أن قوله : لم يردوه ماض معنى ، وإن كان لفظه مضارعا ، كما هو مقرر في محله فلا فرق بين لم يردوا وبين ما ردوه في المعنى ، والعبرة بالمعنى عند أرباب المعاني مع أن كلا منهما بعد دخول حرف الجزاء يصير مضارعا في المعنى .

( فجاء أبو جندل ) أي : ابن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود ، أسلم بمكة ، فقيده المشركون فانفلت منهم مع قيده ( يحجل ) : بسكون المهملة وضم الجيم أي : يمشي ( في قيوده ) : على دينه كما يمشي الغراب ، والحجل مشي الغراب ( فرده إليهم ) أي : محافظة للعهد ومراعاة للشرط . قال ابن الهمام : فصار ينادي : يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني عن ديني فقال له عليه السلام اصبر أبا جندل واحتسب فإن الله جاعل لك وللمستضعفين فرجا ومخرجا ( متفق عليه ) . قال صاحب المواهب : وفي رواية البخاري : فبينا هم كذلك دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين فقال سهيل : هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إلي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنا لم نقض الكتاب بعد ) أي : لم نفرغ . قال : فوالله إذا لا أصالحك على شيء أبدا . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( فأجزه لي ) قال : ما أنا بمجيز ذلك . قال : ( بلى فافعل ) . قال : ما أنا بفاعل . قال مكرز : بلى قد أجرناه لك . قال أبو جندل أي : معشر المسلمين أرد إلى المشركين ، وقد جئت مسلما ألا ترون ما قد لقيت ، وكان قد عذب في الله عذابا شديدا . زاد ابن إسحاق ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا جندل اصبر واحتسب فإنا لا نغدر وإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا ) . ووثب عمر يمشي إلى يمينه ويقول : اصبر فإنما هم المشركون ودم أحدهم كدم كلب .

قال الخطابي : تأول العلماء ما وقع في قصة أبي جندل على وجهين أحدهما : أن الله قد أباح التقية لمسلم إذا خاف الهلاك ورخص له أن يتكلم بالكفر مع إضمار الإيمان إن لم يمكنه التورية ، فلم يكن رده إسلاما لأبي جندل إلى الهلاك ، مع وجود السبيل إلى الخلاص من الموت بالتقية . والوجه الثاني : أنه رده إلى أبيه ، والغالب أن أباه لا يبلغ به إلى الهلاك ، وإن عذبه ، أو سجنه ، فله مندوحة بالتقية أيضا ، وأما ما يخاف عليه من الفتنة فإن ذلك امتحان من الله يبتلي به خير عباده من المؤمنين .

[ ص: 2621 ]



الخدمات العلمية