الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                        معلومات الكتاب

                                        إحكام الإحكام شرح عمدة الأحكام

                                        ابن دقيق العيد - محمد بن علي بن وهب بن مطيع

                                        صفحة جزء
                                        328 - الحديث الخامس : عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت { إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل علي مسرورا ، تبرق أسارير وجهه . فقال : ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد ، فقال : [ ص: 590 ] إن بعض هذه الأقدام لمن بعض } وفي لفظ { كان مجزز قائفا } .

                                        التالي السابق


                                        " أسارير وجهه " تعني الخطوط التي في الجبهة . واحدها سرر وسرر وجمعه أسرار وجمع الجمع أسارير . وقال الأصمعي : الخطوط التي تكون في الكف مثلها السرر - بفتح السين والراء - والسرر - بكسر السين . استدل به فقهاء الحجاز ومن تبعهم على أصل من أصولهم وهو العمل بالقيافة ، حيث يشتبه إلحاق الولد بأحد الواطئين في طهر واحد ، لا في كل الصور بل في بعضها .

                                        ووجه الاستدلال : أن النبي صلى الله عليه وسلم سر بذلك وقال الشافعي رحمه الله : ولا يسر بباطل . وخالف أبو حنيفة وأصحابه ، واعتذارهم عن الحديث : أنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه ، ولا هو وارد في محل النزاع . فإن أسامة كان لاحقا بفراش زيد ، من غير منازع له فيه ، وإنما كان الكفار يطعنون في نسبه للتباين بين لونه ولون أبيه في السواد والبياض ، فلما غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما ، وألحق مجزز أسامة بزيد : كان ذلك إبطالا لطعن الكفار بسبب اعترافهم بحكم القيافة " وإبطال طعنهم حق . فلم يسر النبي صلى الله عليه وسلم إلا بحق .

                                        والأولون يجيبون : بأنه - وإن كان ذلك واردا في صورة خاصة - إلا أن له جهة عامة وهي دلالة الأشباه على الأنساب . فنأخذ هذه الجهة من الحديث ونعمل بها .

                                        واختلف مذهب الشافعي في أن القيافة : هل تختص ببني مدلج ، أم لا ؟ من حيث إن المعتبر في ذلك الأشباه ، وذلك غير خاص بهم ، أو يقال : إن لهم في ذلك قوة ليست لغيرهم ومحل النص إذا اختص بوصف يمكن اعتباره لم يمكن إلغاؤه " ، لاحتمال أن يكون مقصودا للشارع . [ ص: 591 ] و " مجزز " بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي المشددة المعجمة وبعدها زاي معجمة .

                                        واختلف مذهب الشافعي أيضا في أنه هل يعتبر العدد في القائف أم يكفي القائف الواحد ؟ فإن مجززا انفرد بهذه القيافة ، ولا يرد على هذا ; لأنه ليس من محال الخلاف ، وإذا أخذ من هذا الحديث الاكتفاء بالقائف الواحد ، فليس من محال الخلاف ، كما قدمنا .

                                        وقوله " آنفا " أي في الزمن القريب من القول ، وقد ترك في هذه الرواية ذكر تغطية أسامة وزيد رءوسهما وظهور أقدامهما وهي زيادة مفيدة جدا لما فيها من الدلالة على صدق القيافة وكان يقال : إن من علوم العرب ثلاثة : السيافة ، والعيافة ، والقيافة . فأما السيافة : فهي شم تراب الأرض ليعلم بها الاستقامة على الطريق ، أو الخروج منها قال المعري :

                                        أودي فليت الحادثات كفاف مال المسيف وعنبر المستاف

                                        و " المستاف " هو هذا القاص ، وأما العيافة : فهي زجر الطير ، والطيرة والتفاؤل بهما ، وما قارب ذلك وأما السانح والبارح : ففي الوحش ، وفي الحديث " العيافة والطرق : من الجبت " وهو الرمي بالحصا ، وأما القيافة : فهي ما نحن فيه ، وهو اعتبار الأشباه لإلحاق الأنساب .




                                        الخدمات العلمية