الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل

وأن هذا صراطي إشارة إلى شرعه عليه الصلاة والسلام على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ويلائمه النهي الآتي وعن مقاتل أنه إشارة إلى ما في الآيتين من الأمر والنهي وقيل : إلى ما ذكر في السورة فإن أكثرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة .

وقرأ حمزة والكسائي ( إن ) بالكسر وابن عامر ويعقوب بالفتح والتخفيف والباقون به مشدد .

وقرأ ابن عامر ( صراطي ) بفتح الياء وقرئ ( وهذا صراط ربكم ) ( وهذا صراط ربك ) وإضافة الصراط إلى الرب سبحانه من حيث الوضع وإليه عليه الصلاة والسلام من حيث السلوك والدعوة [ ص: 57 ] أي هذا الصراط الذي أسلكه وأدعو إليه مستقيما لا اعوجاج فيه ونصبه على الحال فاتبعوه أي اقتفوا أثره واعملوا به ولا تتبعوا السبل أي الضلالات كما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس وفي رواية عنه أنها الأديان المختلفة كاليهودية والنصرانية وأخرج ابن المنذر وعبد بن حميد وغيرهما عن مجاهد أنها البدع والشبهات فتفرق بكم نصب في جواب النهي والأصل ( تتفرق ) فحذفت إحدى التاءين والباء للتعدية أي فتفرقكم حسب تفرقها أيادي سبأ فهو كما ترى أبلغ من تفرقكم كما قيل من أن ذهب به لما فيه من الدلالة على الاستصحاب أبلغ من أذهبه عن سبيله أي سبيل الله تعالى الذي لا اعوجاج فيه ولا حرج لما هو دين الإسلام وقيل : هو اتباع الوحي واقتفاء البرهان وفيه تنبيه على أن صراطه عليه السلام عين سبيل الله تعالى وقد أخرج أحمد وجماعة عن ابن مسعود قال : خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ثم قال : هذا سبيل الله تعالى مستقيما ثم خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال : وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه .. إلخ . وإنما أضيف إليه صلى الله عليه وسلم أولا لأن ذلك أدعى للاتباع إذ به يتضح كونه صراط الله عز وجل ذلكم إشارة إلى اتباع السبل وصاكم به لعلكم تتقون (153) عقاب الله تعالى بالمثابرة على فعل ما أمر به والاستمرار على الكف عما نهى عنه قال أبو حيان : ولما كان الصراط المستقيم هو الجامع للتكاليف وأمر سبحانه باتباعه ونهى عن اتباع غيره من الطرق ختم ذلك بالتقوى التي هي اتقاء النار إذ من اتبع صراطه نجا النجاة الأبدية وحصل على السعادة السرمدية وكرر سبحانه الوصية لمزيد التأكيد ويا لها من وصية ما أعظم شأنها وأوضح برهانها .

وأخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر والبيهقي في الشعب وغيرهم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : من سره أن ينظر إلى وصية محمد عليه الصلاة والسلام بخاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات قل تعالوا إلى تتقون وأخرج ابن حميد وأبو الشيخ والحاكم وصححه عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث ثم تلاهن إلى آخرهن ثم قال فمن وفى بهن فأجره على الله تعالى ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله تعالى في الدنيا كانت عقوبته ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله تعالى إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه .

وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبد الله بن عدي قال : سمع كعب رجلا يقرأ قل تعالوا أتل .. إلخ . فقال : والذي نفس كعب بيده إنها لأول آية في التوراة «بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى آخر الآيات وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذه آيات محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب وهن محرمات على بني آدم كلهم وهن أم الكتاب من عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار .

هذا و ( أن ) في قوله سبحانه : ألا تشركوا يحتمل أن تكون مفسرة وأن تكون مصدرية قال العلامة الثاني : وفي الاحتمالين إشكال فإنها إن جعلت مصدرية كانت بيانا للمحرم بدلا من ما أو عائده المحذوف وظاهر أن المحرم هو الإشراك لا نفيه وأن الأوامر بعد معطوفة على ( لا تشركوا ) وفيه عطف الطلبي على الخبري وجعل الواجب المأمور به محرما فاحتيج إلى تكلف كجعل ( لا ) مزيدة وعطف الأوامر على المحرمات باعتبار حرمة [ ص: 58 ] أضدادها وتضمين الخبر معنى الطلب وأما جعل ( لا ) ناهية واقعة موقع الصلة لأن المصدرية كما جوزه سيبويه إذ عمل الجازم في الفعل والناصب في ( لا ) معه فما سبيل إليه هنا لأن زيادة ( لا ) الناهية مما لم يقل به أحد ولم يرد في كلام وإن جعلت أن مفسرة و ( لا ) ناهية والنواهي بيان لتلاوة المحرمات توجه إشكالان أحدهما عطف ( أن هذا صراطي مستقيما ) على ( ألا تشركوا ) مع أنه لا معنى لعطفه على أن المفسرة مع الفعل وثانيهما عطف الأوامر المذكورة فإنها لا تصلح بيانا لتلاوة المحرمات بل الواجبات واختار الزمخشري كونها مفسرة وعطف الأوامر لأنها معنى نواه ولا سبيل حينئذ لجعلها مصدرية موصولة بالنهي لما علمت .

وأجاب عن الإشكال الأول بأن قوله سبحانه : وأن هذا صراطي ليس عطفا على ( ألا تشركوا ) بل هو تعليل للاتباع متعلق باتبعوه على حذف اللام وجاز عود ضمير ( اتبعوه ) إلى الصراط لتقدمه في اللفظ .

فإن قيل : فعلى هذا يكون ( اتبعوه ) عطفا على ( لا تشركوا ) ويكون التقدير فاتبعوا صراطي لأنه مستقيم وفيه جمع بين حرفي عطف الواو والفاء وليس بمستقيم وإن جعلت الواو استئنافية اعتراضية قلنا : ورود الواو مع الفاء عند تقديم المعمول فصلا بينهما شائع في الكلام مثل وربك فكبر وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا فإن أبيت الجمع البتة ومنعت زيادة الفاء فاجعل المعمول متعلقا بمحذوف والمذكور بالفاء عطفا عليه مثل عظم فكبر وادعوا الله فلا تدعوا مع الله وآثروه فاتبعوه .

وعن الإشكال الثاني بأن عطف الأوامر على النواهي الواقعة بعد أن المفسرة لتلاوة المحرمات مع القطع بأن المأمور به لا يكون محرما دل على أن التحريم راجع إلى أضدادها بمعنى أن الأوامر كأنها ذكرت وقصد لوازمها التي هي النهي عن الأضداد حتى كأنه قيل : أتلو ما حرم أن لا تسيؤوا إلى الوالدين ولا تبخسوا الكيل والميزان ولا تتركوا العدل ولا تنكثوا العهد ومثل هذا وإن لم يجز بحسب الأصل لكن ربما يجوز بطريق العطف وأما جعل الوقف على قوله تعالى : ( ربكم ) وانتصاب ( ألا تشركوا ) بعليكم يعني الزموا ترك فيأباه عطف الأوامر إلا أن تجعل ( لا ) ناهية وأن المصدرية موصولة بالأوامر والنواهي وقال أبو حيان : لا يتعين أن يكون جميع الأوامر معطوفة على جميع ما دخل عليه ( لا ) فإنه لا يصح عطف وبالوالدين إحسانا على ( تعالوا ) ويكون ما بعده عطف عليه .

واعترض على القول بأن التحريم راجع إلى أضداد الأوامر بأنه بعيد جدا وألغاز في المعاني ولا ضرورة تدعو إلى ذلك ثم قال : وأما عطف هذه الأوامر فيحتمل وجهين أحدهما أنها معطوفة لا على المناهي قبلها فيلزم انسحاب التحريم عليها حيث كانت في حيز أن التفسيرية بل هي معطوفة على قوله سبحانه : أتل ما حرم أمرهم أولا بأمر ترتب عليه ذكر مناه ثم أمرهم ثانيا بأوامر وهذا معنى واضح والثاني أن تكون الأوامر معطوفة على المناهي داخلة تحت حكم التفسيرية ويصح هذا على تقدير محذوف تكون أن مفسرة له وللمنطوق قبله الذي دل على حذفه والتقدير وما أمركم به فحذف وما أمركم به لدلالة ما حرم عليه لأن معنى ما حرم ربكم عليكم ما نهاكم ربكم عنه فالمعنى قل تعالوا أتل ما نهاكم عنه ربكم وما أمركم به وإذا كان التقدير هذا صح أن تكون تفسيرية لفعل النهي الدال عليه التحريم وفعل الأمر المحذوف ألا ترى أنه يجوز أن تقول : أمرتك أن لا تكرم جاهلا وأكرم عالما ويجوز عطف الأمر على النهي [ ص: 59 ] والنهي على الأمر لقول امرئ القيس :


لا تهلك أسى وتجمل



ولا نعلم في هذا خلافا بخلاف الجمل المتباينة بالخبر والاستفهام والإنشاء فإن في جواز العطف فيها خلافا مشهورا . اهـ . وأنت تعلم أن العطف على تعالوا في غاية البعد ولا ينبغي الالتفات إليه وما ذكره من الحذف وجعل التفسير للمحذوف والمنطوق لا يخلو عن حسن ونقل الطبرسي جواز كون ( ألا تشركوا ) بتقدير اللام على معنى أبين لكم الحرام لأن لا تشركوا لأنهم إذا حرموا ما أحل الله فقد جعلوا غير الله تعالى في القبول منه بمنزلة الله سبحانه وصاروا بذلك مشركين ولا ينبغي تخريج كلام الله تعالى على مثل ذلك كما لا يخفى ثم آتينا موسى الكتاب كلام مسوق من جهته تعالى تقريرا للوصية وتحقيقا لها وتمهيدا لما تعقبه من ذكر إنزال القرآن المجيد كما ينبئ عنه تغيير الأسلوب بالالتفات إلى التكلم معطوف على مقدر يقتضيه المقام ويستدعيه النظام كأنه قيل بعد قوله سبحانه : ذلكم وصاكم به بطريق الاستئناف تصديقا له وتقريرا لمضمونه فعلنا ذلك.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث