الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
          صفحة جزء
          [ ص: 422 ] الفصل الثاني : حكم الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم -

          اعلم أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض على الجملة ، غير محدد بوقت ، لأمر الله - تعالى - بالصلاة عليه ، وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب ، وأجمعوا عليه .

          وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب ، وادعى فيه الإجماع ، ولعله فيما زاد على مرة ، والواجب منه الذي يسقط به الحرج ، ومأثم ترك الفرض مرة ، كالشهادة له بالنبوة ، وما عدا ذلك فمندوب مرغب فيه ، من سنن الإسلام ، وشعار أهله .

          قال القاضي أبو الحسن بن القصار : المشهور عن أصحابنا أن ذلك واجب في الجملة على الإنسان ، وفرض عليه أن يأتي بها مرة من دهره مع القدرة على ذلك .

          وقال القاضي أبو بكر بن بكير : افترض الله على خلقه أن يصلوا على نبيه ، ويسلموا تسليما ، ولم يجعل ذلك لوقت معلوم ، فالواجب أن يكثر المرء منها ، ولا يغفل عنها .

          قال القاضي أبو محمد بن نصر : الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - واجبة في الجملة .

          قال القاضي أبو عبد الله بن محمد بن سعيد : ذهب مالك ، وأصحابه ، وغيرهم من أهل العلم أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض بالجملة بعقد الإيمان لا يتعين في الصلاة ، وأن من صلى عليه مرة واحدة من عمره سقط الفرض عنه .

          وقال أصحاب الشافعي : الفرض منها الذي أمر الله - تعالى - به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - هو في الصلاة .

          وقالوا : وأما في غيرها فلا خلاف أنها غير واجبة .

          وأما في الصلاة فحكى الإمامان أبو جعفر الطبري ، والطحاوي ، وغيرهما إجماع جميع المتقدمين ، والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد غير واجبة .

          [ ص: 423 ] وشذ الشافعي في ذلك ، فقال : من لم يصل على النبي - صلى الله عليه وسلم - من بعد التشهد الآخر قبل السلام فصلاته فاسدة ، وإن صلى عليه قبل ذلك لم تجزه ، ولا سلف له في هذا القول ، ولا سنة يتبعها .

          وقد بالغ في إنكار هذه المسألة عليه لمخالفته فيها من تقدمه جماعة ، وشنعوا عليه الخلاف فيها ، منهم الطبري ، والقشيري ، وغير واحد .

          وقال أبو بكر بن المنذر : يستحب ألا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فإن ترك ذلك فصلاته مجزئة في مذهب مالك ، وأهل المدينة ، وسفيان الثوري ، وأهل الكوفة من أصحاب الرأي ، وغيرهم . وهو قول جمل أهل العلم .

          وحكي عن مالك ، وسفيان أنها في التشهد الأخير مستحبة ، وأن تاركها في التشهد مسيء .

          وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة ، وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان .

          وحكى أبو محمد بن أبي زيد ، عن محمد بن المواز أن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فريضة .

          قال أبو محمد : يريد ليست من فرائض الصلاة ، وقاله محمد بن عبد الحكم ، وغيره .

          وحكى ابن القصار ، وعبد الوهاب أن محمد بن المواز يراها فريضة في الصلاة كقول الشافعي .

          وحكى أبو يعلى العبدي المالكي عن المذهب فيها ثلاثة أقوال :

          الوجوب ، والسنة ، والندب .

          [ ص: 424 ] وقد خالف الخطابي من أصحاب الشافعي ، وغيره الشافعي في هذه المسألة ،

          قال الخطابي : وليست بواجبة في الصلاة ، وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي ، ولا أعلم له فيها قدوة .

          والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي ، وإجماعهم عليه .

          وقد شنع الناس عليه في هذه المسألة جدا .

          وهذا تشهد ابن مسعود الذي اختاره الشافعي ، وهو الذي علمه له النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ليس فيه الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك كل من روى التشهد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، كأبي هريرة ، ، وابن عباس ، وجابر ، وابن عمر ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي موسى الأشعري ، وعبد الله بن الزبير لم يذكروا فيه صلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - .

          وقد قال ابن عباس ، وجابر : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن .

          ونحوه عن أبي سعيد .

          وقال ابن عمر : كان أبو بكر يعلمنا التشهد على المنبر كما يعلمون الصبيان في الكتاب .

          وعلمه أيضا على المنبر عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - .

          وفي الحديث : لا صلاة لمن لم يصل علي .

          قال ابن القصار : معناه : كاملة ، أو لمن لم يصل علي مرة في عمره .

          وضعف أهل الحديث كلهم رواية هذا الحديث .

          وفي حديث أبي جعفر ، عن ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : من صلى صلاة لم يصل فيها علي ، وعلى أهل بيتي لم تقبل منه .

          [ ص: 425 ] قال الدارقطني : الصواب أنه من قول أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين : لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم .

          التالي السابق


          الخدمات العلمية