الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر

وذكر أن قوله عليه السلام: وأنا أول المؤمنين ليس المراد منه ابتداء الإيمان في تلك الحالة، بل المراد به إضافة الأولية إليه لا إلى الإيمان، ولعل المراد من ذلك الإخبار الاستعطاف لقبول توبته عليه السلام عما هو ذنب عنده، وأراد بالمؤمنين قومه على ما روي عن مجاهد، وما يشير إليه كلام الزمخشري من أن الآية أبلغ دليل على عدم إمكان الرؤية لا يخفى ما فيه على من أحاط خبرا بما ذكرناه، ومن المحققين من استند في دلالة الآية على إمكانها بغير ما تقدم أيضا، وهو أنه تعالى أحال انتفاء الرؤية على عجز الرائي وضعفه عنها حيث قال له: لن تراني ولو كانت رؤيته تعالى غير جائزة لكان الجواب: لست بمرئي، ألا ترى لو قال: أرني أنظر إلى صورتك ومكانك لم يحسن في الجواب أن يقال: لن ترى صورتي ولا مكاني. بل الحسن: لست بذي صورة ولا مكان. وقال بعضهم: بعد أن بين كون الآية دليلا على أن الرؤية جائزة في الجملة ببعض ما تقدم: ولذلك رده سبحانه بقوله: لن تراني دون: لن أرى، ولن أريك، ولن تنظر إلي؛ تنبيها على أنه عليه السلام قاصر عن رؤيته تعالى لتوقفها على معد في الرائي ولم يوجد فيه بعد، وذلك لأن: لن أرى يدل على امتناع الرؤية مطلقا، ولن أريك يقتضي أن المانع من جهته تعالى، وليس في: لن تنظر تنبيه على المقصود؛ لأن النظر [ ص: 51 ] لا يتوقف على معد وإنما المتوقف عليه الرؤية والإدراك، وعلل النيسابوري عدم كون الجواب لن تنظر إلى المناسب لأنظر إليك بأن موسى عليه السلام لم يطلب النظر المطلق وإنما طلب النظر الذي معه الإدراك بدليل: أرني. وانتصر بعضهم للمعتزلة بأن لهم أن يقولوا: إن طلب الإراءة متضمن لطلب رفع الموانع من الرؤية وإيجاد ما تتوقف هي عليه؛ لأن معنى ذلك: مكني من الرؤية. والتمكين إنما يتم بما ذكر من الرفع والإيجاد، وكان الظاهر في رد هذا الطلب: لن أمكنك من رؤيتي، لكن عدل عنه إلى: لن تراني إشارة إلى استحالة الرؤية وعدم وقوعها بوجه من الوجوه، كأنه قيل: إن رؤيتك لي أمر محال في نفسه وتمكيني إنما يكون من الممكن، ولو لم يكن المراد ذلك بل كان المراد أنك لا قابلية لك لرؤيتي لكان لموسى عليه السلام أن يقول: يا رب، أنا أعلم عدم القابلية لكني سألتك التمكين وهو متضمن لسؤال إيجادها؛ لأنها مما تتوقف الرؤية عليه، فعلى هذا لا يكون الجواب مفيدا لموسى عليه السلام ولا مقنعا له بخلافه على الأول، فيكون حينئذ هو المتعين. فإن قيل: القابلية وعدم القابلية من توابع الاستعداد وعدم الاستعداد، وهما غير مجعولين، قلنا: هذا على ما فيه من الكلام العريض والنزاع الطويل مستلزم لمطلوبنا من امتناع الرؤية كما لا يخفى على من له أدنى استعداد لفهم الحقائق.

وأجيب بأن طلب التمكين من شيء إنما يتضمن طلب رفع الموانع التي في جانب المطلوب منه فقط على ما هو الظاهر لا مطلقا بحيث يشمل ما كان في جانب المطلوب منه وما كان في جانب الطالب، ويرشد إلى ذلك أن قولك: لم يمكني زيد من قتل عمرو مثلا ظاهر في أنه حال بينك وبين قتله مع تهيئك له وارتفاع الموانع التي من قبلك عنه، فكأن موسى عليه السلام لما كلمه ربه هاج به الشوق إلى الرؤية كما قال الحسن: لأن عدو الله إبليس غاص في الأرض حتى خرج من بين قدميه فوسوس إليه أن مكلمك شيطان، فعند ذلك سألها كما قال السدي: وأعوذ بالله من اعتقاده فذهل عن نفسه وما فيها من الموانع فلم يخطر بباله إلا طلب رفع الموانع عنها من قبل الرب سبحانه، فنبهه جل شأنه بقوله: لن تراني على وجود المانع فيه عن الرؤية وهو الضعف عن تحملها وأراه ضعف من هو أقوى منه عن ذلك بدك الجبل عند تجليه له، ففائدة الاستدراك على هذا أن يتحقق عنده عليه السلام أنه أضعف من أن يقوم لتجلي الرؤية، وهو على ما هو عليه، ويمكن أن تكون التوبة منه عليه السلام بعد أن أفاق من هذه الغفلة، وحينئذ لا شك أن الجواب (بلن تراني) إلخ مفيد مقنع.

هذا وذكر بعض المحققين أن حاصل الكلام في هذا المقام أن موسى عليه السلام كان عالما بإمكان الرؤية ووقوعها في الدنيا لمن شاء الله تعالى من عباده عقلا، والشروط التي تذكر لها ليست شروطا عقلية وإنما هي شروط عادية ولم يكن عالما بعدم الوقوع مع عدم تغير الحال حتى سمع ذلك من الرب المتعال، وليس في عدم العلم بما ذكر نقص في مرتبته عليه السلام؛ لأنه من الأمور الموقوفة على السمع، والجهل بالأمور السمعية لا يعد نقصا، فقد صح أن أعلم الخلق على الإطلاق نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم سئل عن أشياء فقال: سأسأل جبريل عليه السلام، وأن جبريل عليه السلام سئل فقال: سأسأل رب العزة، وقد قالت الملائكة: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا وأن الآية لا تصلح دليلا على امتناع الرؤية على ما يقوله المعتزلة بل دلالتها على إمكانها في الجملة أظهر وأظهر، بل هي ظاهرة في ذلك دون ما يقوله الخصوم وما رواه [ ص: 52 ] أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في تفسير: لن تراني : إنه لا يكون ذلك أبدا لا حجة لهم فيه؛ لأنه غير واف بمطلوبهم، مع أن التأبيد فيه بالنسبة إلى عدم تغير الحال كما يدل عليه الخبر المروي عنه سابقا، وكذا ما رواه عنه أبو الشيخ إذ فيه: يا موسى إنه لا يراني أحد فيحيا. قال موسى: رب، إن أراك ثم أموت أحب إلي من أن لا أراك ثم أحيا، وما ذكره الزمخشري عن الأشياخ أنهم قالوا: إنه تعالى يرى بلا كيف هو المشهور.

ونقل المناوي أن الكمال بن الهمام سئل عما رواه الدارقطني وغيره عن أنس من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «رأيت ربي في أحسن صورة» بناء على حمل الرؤية في اليقظة فأجاب بأن هذا حجاب الصورة. انتهى. وهو التجلي الصوري الشائع عند الصوفية، ومنه عندهم تجلي الله تعالى في الشجرة لموسى عليه السلام، وتجليه جل وعلا للخلق يوم يكشف عن ساق، وهو سبحانه وإن تجلى بالصورة لكنه غير متقيد بها: والله من ورائهم محيط ، والرؤية التي طلبها موسى عليه السلام غير هذه الرؤية، وذكر بعضهم أن موسى كان يرى الله تعالى إلا أنه لم يعلم أن ما رآه هو - هو - وعلى هذا الطرز يحمل ما جاء في بعض الروايات المطعون بها: رأيت ربي في صورة شاب. وفي بعضها زيادة: له نعلان من ذهب، ومن الناس من حمل الرؤية في رواية الدارقطني على الرؤية المنامية، وظاهر كلام السيوطي أن الكيفية فيها لا تضر وهو الذي سمعته من المشايخ قدس الله تعالى أسرارهم، والمسألة خلافية، وإذا صح ما قاله المشايخ وأفهمه كلام السيوطي فأنا -ولله تعالى الحمد- قد رأيت ربي مناما ثلاث مرات، وكانت المرة الثالثة في السنة السادسة والأربعين والمائتين والألف بعد الهجرة، رأيته جل شأنه وله من النور ما له متوجها جهة المشرق فكلمني بكلمات أنسيتها حين استيقظت، ورأيت مرة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلف ألوانه، فأمر سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى عليه السلام ثم مقام محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فذهب بي إليهما فرأيت ما رأيت. ولله تعالى الفضل والمنة.

ومنهم من حمل الصورة على ما به التميز والمراد بها ذاته تعالى المخصوصة المنزهة عن مماثلة ما عداه من الأشياء البالغة إلى أقصى مراتب الكمال، وما ذكره من البيتين لبعض العدلية فهو في ذلك عثيثة تقرم جلدا أملسا. والقول ما قاله تاج الدين السبكي فيهم:


عجبا لقوم ظالمين تلقبوا بالعدل ما فيهم لعمري معرفه

قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفة

وتلقبوا عدلية قلنا نعم عدلوا بربهم فحسبهم سفه

وقال ابن المنير:


وجماعة كفروا برؤية ربهم     هذا ووعد الله ما لن يخلفه

وتلقبوا عدلية قلنا أجل عدلوا بربهم فحسبوهم سفه

وتنعتوا الناجين كلا إنهم إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه

وبعد هذا كله نقول: إن الناس قد اختلفوا في أن موسى عليه السلام هل رأى ربه بعد هذا الطلب أم لا، فذهب أكثر الجماعة إلى أنه عليه السلام لم يره لا قبل الصعق ولا بعده. وقال الشيخ الأكبر قدس سره: إنه رآه بعد الصعق وكان الصعق موتا، وذكر قدس سره أنه سأل موسى عن ذلك فأجابه بما ذكر، والآية عندي [ ص: 53 ] غير ظاهرة في ذلك، وإلى الرؤية بعد الصعق ذهب القطب الرازي في تقرير كلام للزمخشري، إلا أن ذلك على احتمال أن تفسر بالانكشاف التام الذي لا يحصل إلا إذا كانت النفس فانية مقطوعة النظر عن وجودها فضلا عن وجود الغير فإنه قال: إن موسى عليه السلام لما طلب هذه المرتبة من الانكشاف وعبر عن نفسه (بأنا) دل على أن نظره كان باقيا على نفسه، وهي لا تكون كذلك إلا متعلقة بالعلائق الجسمانية مشوبة بالشوائب المادية، لا جرم منع عنه هذه المرتبة، وأشير إلى أن منعها إنما كان لأجل بقاء أنا وأنت في قوله: أرني ولن تراني، ثم لما لم يرد حرمانه عن حصول هذه المرتبة مع استعداده وتأهله لها علم طريق المعرفة بقوله سبحانه: ولكن انظر إلى الجبل فإن الجبل مع عدم تعلقه لما لم يطق نظرة من نظرات التجلي فموسى عليه السلام مع تعلقه كيف يطيق ذلك، فلما أدرك الرمز خر صعقا مغشيا عليه متجردا عن العلائق فانيا عن نفسه، فحصل له المطلوب، فلما أفاق علم أن طلبه الرؤية في تلك الحالة التي كان عليها كان سوء أدب فتاب عنه.

وذهب الشيخ إبراهيم الكوراني إلى أنه عليه السلام رأى ربه سبحانه حقيقة قبل الصعق فصعق لذلك كما دك الجبل للتجلي، وأيده بما أخرج أبو الشيخ، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لما تجلى الله تعالى لموسى عليه السلام كان يبصر دبيب النملة على الصفا في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ».

وبما أخرجه عن أبي معشر أنه قال: «مكث موسى عليه السلام أربعين ليلة لا ينظر إليه أحد إلا مات من نور رب العالمين».

وجمع بين هذا وبين قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن الله تعالى أعطى موسى الكلام وأعطاني الرؤية، وفضلني بالمقام المحمود والحوض المورود».

بأن الرؤية التي أعطاها لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم هي الرؤية مع الثبات والبقاء من غير صعق، كما أن الكلام الذي أعطاه موسى كذلك بخلاف رؤية موسى عليه السلام فإنها لم تجمع له مع البقاء، وعلى هذا فمعنى قوله عليه الصلاة والسلام في حديث الدجال: «إنه لن يرى أحد منكم ربه حتى يموت». هو أن أحدا لا يراه في الدنيا مع البقاء، ولا يجمع له في الدنيا بينهما.

وفسر الآية بما لا يخلو عن خفاء.

والذاهبون إلى عدم الرؤية مطلقا يجيبون عما ذكره من حديث أبي هريرة، وخبر أبي معشر بأن الثاني ليس فيه أكثر من إثبات سطوع نور الله تعالى على وجه موسى عليه السلام، وليس في ذلك إثبات الرؤية لجواز أن يشرق نور منه تعالى على وجهه عليه السلام من غير رؤية؛ فإنه لا تلازم بين الرؤية وإشراق النور، وبأن الأول ليس نصا في ثبوت الرؤية المطلوبة له عليه السلام؛ لأنها كما قال غير واحد عبارة عن التجلي الذاتي، ولله تعالى تجليات شتى غير ذلك، فلعل التجلي الذي أشار إليه الحديث على تقدير صحة واحد منها، وقد يقطع بذلك فإنه سبحانه تجلى عليه -عليه السلام- بكلامه واصطفائه وقربه منه على الوجه الخاص اللائق به تعالى، ولا يبعد أن يكون هذا سببا لذلك الإبصار، وهذا أولى مما قيل: إن اللام في لموسى للتعليل ومتعلق تجلى محذوف؛ أي: لما تجلى الله تعالى للجبل لأجل إرشاد موسى كان عليه السلام يبصر بسبب إشراق بعض أنواره تعالى عليه حين التجلي للجبل ما يبصر.


تضوع مسكا بطن نعمان     إذ مشت به زينب في نسوة خفرات

فالحق الذي لا ينبغي المحيص عنه أن موسى عليه السلام لم يحصل له ما سأل في هذا الميقات، والذي أقطع به أنه نال مقام قرب النوافل والفرائض الذي يذكره الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم بالمعنى الذي يذكرونه كيفما [ ص: 54 ] كان، وحاشا لله من أن أفضل أحدا من أولياء هذه الأمة وإن كانوا هم - هم - على أحد من أنبياء بني إسرائيل فضلا عن رسلهم مطلقا، فضلا عن أولي العزم منهم،

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث