الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القسم الثاني ما يخص ضرره المعامل

القسم الثاني ما يخص ضرره المعامل :

فكل ما يستضر به المعامل فهو ظلم وإنما العدل بأن لا يضر بأخيه المسلم ، والضابط الكلي فيه أن لا يحب لأخيه إلا ما يحب لنفسه ، فكل ما عومل به وشق عليه وثقل على قلبه فينبغي أن لا يعامل غيره به بل ينبغي أن يستوي عنده درهمه ودرهم غيره ، هذه جملته ، وأما تفصيله ففي أربعة أمور :

الأول : أن لا يثني على السلعة بما ليس فيها لأنه كذب فإن قبل المشتري ذلك فهو تلبيس وظلم وإن لم يقبل فهو كذب وإسقاط مروءة .

وأما الثناء على السلعة بذكر القدر الموجود فيها من غير مبالغة وإطناب فلا بأس به .

ولا ينبغي أن يحلف عليها البتة فإنه إن كان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس وهي من الكبائر ، وإن كان صادقا فقد جعل الله تعالى عرضة لأيمانه وقد أساء فيه إذ الدنيا أخس من أن يقصد ترويجها بذكر اسم الله من غير ضرورة .

وفي الخبر : " ويل للتاجر من : بلى والله ولا والله وويل للصانع من غد وبعد غد " .

وفي الخبر : اليمين الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للكسب .

[ ص: 114 ] الثاني : أن يظهر جميع عيوب المبيع خفيها وجليها ولا يكتم منها شيئا فذلك واجب ، فإن أخفاه كان ظالما غاشا والغش حرام ، وكان تاركا للنصح في المعاملة والنصح واجب ; ومهما أظهر أحسن وجهي الثوب وأخفى الثاني كان غاشا ، وكذلك إذا عرض الثياب في المواضع المظلمة ، وكذلك إذا عرض أحسن فردي الخف أو النعل وأمثاله .

ويدل على تحريم الغش ما روي أنه مر عليه السلام برجل يبيع طعاما فأعجبه فأدخل يده فرأى بللا فقال : ما هذا ؟ " قال : " أصابته السماء " فقال : " فهلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس ، من غشنا فليس منا .

ويدل على وجوب النصح بإظهار العيوب ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع " جريرا " على الإسلام ذهب لينصرف فجذب ثوبه واشترط عليه النصح لكل مسلم ، فكان جرير إذا قام إلى السلعة يبيعها بصر عيوبها ثم خيره وقال : " إن شئت فخذ وإن شئت فاترك " ، فقيل له : " إنك إذا فعلت مثل هذا لم ينفذ لك بيع " . فقال : " إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم .

وكان " واثلة بن الأسقع " واقفا فباع رجل ناقة له بثلثمائة درهم فغفل واثلة وقد ذهب الرجل بالناقة ، فسعى وراءه وجعل يصيح به : يا هذا أشتريتها للحم أو للظهر ؟ فقال : بل للظهر ، فقال : إن بخفها نقبا قد رأيته وإنها لا تتابع السير ، فعاد فردها ، فنقصها البائع مائة درهم قال : " لواثلة " : " رحمك الله أفسدت علي بيعي " فقال : إنا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم ، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يحل لأحد يبيع بيعا إلا أن يبين آفته ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا تبيينه .

فقد فهموا من النصح أن لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه ، ولم يعتقدوا أن ذلك من الفضائل وزيادة المقامات بل اعتقدوا أنه من شروط الإسلام الداخلة تحت بيعتهم ، وهذا الأمر وإن كان يشق على النفس إلا أنه يتيسر على العبد باعتقاد أمرين :

أحدهما : أن تلبيسه العيوب وترويجه السلع لا يزيد في رزقه بل يمحقه ويذهب ببركته ، وقد يهلك الله ما يجمعه من التلبيسات دفعة واحدة . فقد حكي أن واحدا كان له بقرة يحلبها ويخلط بلبنها الماء ويبيع فجاء سيل فغرق البقرة فقال بعض أولاده : " إن تلك المياه المتفرقة التي صببناها في اللبن اجتمعت دفعة واحدة وأخذت البقرة " ، كيف وقد قال صلى الله عليه وسلم : البيعان إذا [ ص: 115 ] صدقا ونصحا بورك لهما في بيعهما وإذا كتما وكذبا نزعت بركة بيعهما وفي الحديث : يد الله على الشريكين ما لم يتخاونا فإذا تخاونا رفع يده عنهما فإذا لا يزيد مال من خيانة كما لا ينقص من صدقة .

والمعنى الثاني : الذي لا بد من اعتقاده ليتم له النصح ويتيسر عليه أن يعلم أن ربح الآخرة وغناها خير من ربح الدنيا ، وأن فوائد أموال الدنيا تنقضي بانقضاء العمر وتبقى مظالمها وأوزارها ، فكيف يستخير العاقل أن يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟ والخير كله في سلامة الدين ، وفي الحديث : ما آمن بالقرآن من استحل محارمه .

ومن علم أن هذه الأمور قادحة في إيمانه وأن إيمانه رأس ماله في تجارته في الآخرة لم يضيع رأس ماله المعد لعمر لا آخر له بسبب ربح ينتفع به أياما معدودة .

وعن بعض التابعين أنه قال : " لو دخلت الجامع وهو غاص بأهله وقيل لي : من خير هؤلاء ومن شرهم لقلت : خيرهم أنصحهم لهم وشرهم أغشهم لهم " .

والغش حرام في البيوع والصنائع جميعا .

ولا ينبغي أن يتهاون الصانع بعمله على وجه لو عامله به غيره لما ارتضاه لنفسه ، بل ينبغي أن يحسن الصنعة ويحكمها ثم يبين عيبها إن كان فيها عيب فبذلك يتخلص .

وسأل رجل حذاء ابن سالم فقال : " كيف لي أن أسلم في بيع النعال " ؟ فقال : " اجعل الوجهين سواء ، ولا تفضل اليمنى على الأخرى ، وجود الحشو ، وليكن شيئا واحدا تاما ، وقارب بين الخرز ، ولا تطبق إحدى النعلين على الأخرى " .

ومن ذلك ما سئل عنه : " أحمد بن حنبل " رحمه الله من الرفو بحيث لا يتبين قال : " لا يجوز لمن يبيعه أن يخفيه ، وإنما يحل للرفاء إذا علم أنه يظهره أو أنه لا يريدها للبيع " .

فإن قلت فلا تتم المعاملة مهما وجب على الإنسان أن يذكر عيوب المبيع ، فأقول : ليس كذلك إذ شرط التاجر أن لا يشتري للبيع إلا الجيد الذي يرتضيه لنفسه لو أمسكه ولا يحتاج إلى تلبيس ، فمن تعود هذا لم يشتر المعيب ، فإن وقع في يده معيب نادرا فليذكره وليقنع بقيمته .

باع " ابن سيرين " شاة فقال للمشتري : " أبرأ إليك من عيب فيها أنها تقلب العلف برجلها " فهكذا كانت سيرة أهل الدين .

الثالث : أن لا يكتم في المعيار وذلك بتعديل الميزان والاحتياط فيه وفي الكيل ، فينبغي أن يكيل كما يكتال ، قال الله تعالى : ( ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ) [ المطففين : 1 - 3 ] .

ولا يخلص من هذا إلا بأن يرجح إذا أعطى وينقص إذا أخذ ، إذ العدل الحقيقي قلما يتصور ، فليستظهر بظهور الزيادة والنقصان ، فإن من استقصى حقه بكماله يوشك أن يتعداه ، وكان بعضهم يقول : " لا أشتري الويل من الله بحبة " .

وكل من خلط بالطعام ترابا أو غيره ثم كاله فهو من المطففين في الوزن ، وقس على [ ص: 116 ] هذا سائر التقديرات حتى في الذرع الذي يتعاطاه البزاز فإنه إذا اشترى أرسل الثوب في وقت الذرع ولم يمده مدا ، وإذ باعه مده في الذرع ليظهر تفاوتا في القدر ، فكل ذلك من التطفيف المعرض صاحبه للويل .

الرابع : أن يصدق في سعر الوقت ولا يخفي منه شيئا فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان ونهى عن النجش ; أما تلقي الركبان فهو أن يستقبل الرفقة ويتلقى المتاع ويكذب في سعر البلد فقد قال صلى الله عليه وسلم : لا تتلقوا الركبان ومن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار بعد أن يقدم السوق .

ونهى أيضا أن يبيع حاضر لباد وهو أن يقدم البدوي البلد ومعه قوت يريد أن يتسارع إلى بيعه فيقول له الحضري : " اتركه عندي حتى أغالي في ثمنه وأنتظر ارتفاع سعره " .

ونهى أيضا عن النجش وهو أن يتقدم إلى البائع بين يدي الراغب المشتري ويطلب السلعة بزيادة وهو لا يريدها وإنما يريد تحريك رغبة المشتري فيها .

فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في سعر الوقت ويكتم منه أمرا لو علمه لما أقدم على العقد ، ففعل هذا من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب ، ومن ذلك أنه ليس له أن يغتنم فرصة وينتهز غفلة صاحب المتاع ويخفي من البائع غلاء السعر أو من المشتري تراجع الأسعار ، فإن فعل ذلك كان ظالما تاركا للعدل والنصح للمسلمين .

ومهما باع مرابحة بأن يقول : بعت بما قام علي أو بما اشتريته فعليه أن يصدق ، ثم يجب عليه أن يخبر بما حدث بعد العقد من عيب أو نقصان .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث