الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة كان العمل لا ينقسم واستأجرهما صاحبه بأجرة واحدة

جزء التالي صفحة
السابق

1239 - مسألة :

فإن كان العمل لا ينقسم واستأجرهما صاحبه بأجرة واحدة فالأجرة بينهما على قدر عمل كل واحد ككمد ثوب واحد ، أو بناء حائط واحد ، أو خياطة ثوب واحد ، وما أشبه هذا ؟ وكذلك إن نصبا حبالة معا فالصيد بينهما ، أو أرسلا جارحين فأخذا صيدا واحدا فهو بينهما ; وإلا فلكل واحد ما صاد جارحه .

وقال أبو حنيفة : شركة الأبدان جائزة في الصناعات اتفقت صناعتهما أو اختلفت عملا في موضع واحد أو في موضعين ، فإن غاب أحدهما أو مرض فما أصاب الصحيح الحاضر فبينهما - ولا تجوز في التصيد ، ولا في الاحتطاب .

قال أبو محمد : هذا تقسيم فاسد بلا برهان ، وروي عنه : أن شركة الأبدان لا تجوز إلا فيما تجوز فيه الوكالة - وهذا في غاية الفساد أيضا ، لأن الوكالة عنده جائزة في النكاح فتجب أن تجوز الشركة عندهم في النكاح .

وقال مالك شركة الأبدان جائزة في الاحتطاب وطلب العنبر ، إذا كان كل ذلك في موضع واحد .

وكذلك إذا اشتركا في صيد الكلاب والبزاة إذا كان لكل واحد منهما باز وكلب ، يتعاون البازان أو الكلبان على صيد واحد - وتجوز الشركة عنده على التعليم في مكان واحد ; فإن كانا في مجلسين فلا ضير فيه .

وأجاز شركة الأبدان في الصناعات إذا كانا في دكان واحد ، كالقصار ونحوه إذا كان ذلك في صناعة واحدة ، فإن مرض أحدهما فالأجرة بينهما وكذلك إن غاب أحدهما أو عمل أحدهما يوما والآخر يومين . ولا يجوز عنده اشتراك الحمالين أو النقالين على الدواب . ولا يجوز عنده الاشتراك في صناعتين أصلا كحداد وقصار ونحو ذلك وهذا تحكم [ ص: 414 ] بلا برهان وقول لا نعلم لهم سلفا - وقولنا هو قول الليث وأبي سليمان ، والشافعي ، وأبي ثور

واحتج من أجاز شركة الأبدان بما روينا من طريق أبي داود عن عبيد الله بن معاذ العنبري عن يحيى بن سعيد القطان عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال : اشتركت أنا وعمار بن ياسر ، وسعد بن أبي وقاص فيما نصيب يوم بدر فجاء سعد بأسيرين ، ولم أجئ أنا وعمار بشيء .

قال أبو محمد : وهذا عجب عجيب ، وما ندري على ماذا يحمل عليه أمر هؤلاء القوم ؟ ونسأل الله السلامة من التمويه في دينه تعالى بالباطل .

أول ذلك - : أن هذا خبر منقطع لأن أبا عبيدة لا يذكر من أبيه شيئا : روينا ذلك من طريق وكيع عن شعبة عن عمرو بن مرة قال : قلت لأبي عبيدة : أتذكر من عبد الله شيئا ؟ قال : لا .

والثاني : أنه لو صح لكان أعظم حجة عليهم ، لأنهم أول قائل معنا ومع سائر المسلمين : أن هذه شركة لا تجوز ، وأنه لا ينفرد أحد من أهل العسكر بما يصيب دون جميع أهل العسكر حاشا ما اختلفنا فيه من كون السلب للقاتل ، وأنه إن فعل فهو غلول من كبائر الذنوب .

والثالث : أن هذه شركة لم تتم ، ولا حصل لسعد ولا لعمار ، ولا لابن مسعود من ذينك الأسيرين إلا ما حصل لطلحة بن عبيد الله الذي كان بالشام ، ولعثمان بن عفان الذي كان بالمدينة فأنزل الله تعالى في ذلك : { قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } فكيف يستحل من يرى العار عارا أن يحتج بشركة أبطلها الله تعالى ولم يمضها ؟ .

والرابع : أنهم - يعني الحنفيين - لا يجيزون الشركة في الاصطياد ، ولا يجيزها المالكيون في العمل في مكانين ، فهذه الشركة المذكورة في الحديث لا تجوز عندهم ، فمن أعجب ممن يحتج في تصحيح قوله برواية لا تجوز عنده ؟ والحمد لله رب العالمين على توفيقه لنا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث