الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة النحل

سورة النحل

258 - قوله فيها في موضعين : "إن في ذلك لآيات" بالجمع ، وفي خمس مواضع : " إن في ذلك لآية " على الوحدة . أما الجمع فلموافقة قوله : مسخرات في الآيتين ، لتقع الموافقة في اللفظ والمعنى ، وأما التوحيد فلتوحيد المدلول عليه .

ومن الخمس قوله : إن في ذلك لآية لقوم يذكرون وليس له نظير ، وخص الذكر لاتصاله بقوله : وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه ، فإن اختلاف ألوان الشيء وتغير أحواله يدل على صانع حكيم فما يشبهه شيء ، فمن تأمل فيها تذكر .

ومن الخمس : إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون في موضعين ، وليس لهما نظير ، وخصتا بالتفكر لأن الأولى متصلة بقوله : ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات ، وأكثرها للأكل ، وبه قوام البدن ، فيستدعي تفكرا وتأملا ، ليعرف به المنعم عليه فيشكر . والثانية متصلة بذكر النحل ، وفيها أعجوبة من انقيادها لأميرها ، واتخاذها البيوت على أشكال يعجز عنها الحاذق ، ثم تتبعها الزهر والطل من الأشجار ، ثم خروج ذلك [ ص: 158 ] من بطونها لعابا هو شفاء ، فاقتضى ذلك ذكرا بليغا ، فختم الآية بالتفكير .

259 - قوله : وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا ما في هذه السورة جاء على القياس ، فإن " الفلك " المفعول الأول لترى ، و " مواخر " المفعول الثاني ، وفيه ظروف ، وحقه التأخر ، والواو في ولتبتغوا للعطف على لام العلة في قوله : لتأكلوا منه ، وأما في الملائكة فقدم " فيه " موافقة لما قبله ، وهو قوله : ومن كل تأكلون لحما طريا فوافق تقديم الجار والمجرور على الفعل والفاعل ، ولم يزد الواو على " لتبتغوا " ؛ لأن اللام في " لتبتغوا " هنا لام العلة ، وليس بعطف على شيء قبله . ثم إن قوله : وترى الفلك مواخر فيه في هذه السورة ، و فيه مواخر في فاطر ، اعتراض في السورتين يجري مجرى المثل ، ولهذا وحد الخطاب فيه ، وهو قوله : وترى ، وقبله وبعده جمع ، وهو قوله : لتأكلوا ، وتستخرجوا ، ولتبتغوا ، وفي الملائكة : " تأكلوا " ، وتستخرجون ، ومثله في القرآن كثير : كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ، وكذلك : تراهم ركعا سجدا ، و وترى الملائكة حافين من حول العرش ، وأمثاله ، أي لو حصرت أيها المخاطب لرأيته بهذه الصفة ، كما تقول : أيها الرجل وكلكم ذلك الرجل ، فتأمل فإن فيه دقيقة .

260 - قوله : وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ، [ ص: 159 ] وبعده : وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا . إنما رفع الأول لأنهم أنكروا إنزال القرآن ، فعدلوا عن الجواب ، فقالوا : أساطير الأولين . والثاني من كلام المتقين ، وهو مقرون بالوحي والإنزال ، فقالوا : خيرا . أي : أنزل خيرا ، فيكون الجواب مطابقا .

وخيرا نصب بأنزل ، وإن شئت جعلت خيرا مفعول القول ، أي : قالوا خيرا ، ولم يقولوا شرا كما قالت الكفار ، وإن شئت جعلت خيرا صفة مصدر محذوف ، أي : قالوا قولا خيرا . وقد ذكرت مثله ما زاد في موضعها .

261 - قوله : فلبئس مثوى المتكبرين ليس له في القرآن نظير . الفاء للعطف على فاء التعقيب في قوله : فادخلوا أبواب جهنم ، واللام للتأكيد ، يجري مجرى القسم موافقة لقوله : ولنعم دار المتقين ، وليس له نظير ، وبينهما ولدار الآخرة خير .

262 - قوله : فأصابهم سيئات ما عملوا هنا ، وفي الجاثية " 33 " ، وفي غيرهما : " ما كسبوا " ؛ لأن العمل أعم من الكسب ، ولهذا قال : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره . وخصت هذه السورة لموافقة ما قبله ، وهو قوله : ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون ، ولموافقة ما بعده ، وهو قوله : وتوفى كل نفس ما عملت ، وفي الزمر " 70 " ، وليس لها نظير .

[ ص: 160 ] 263 - قوله : لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء قد سبق .

264 - قوله : ولله يسجد ما في السماوات قد سبق .

265 - قوله : ولله يسجد من في السماوات قد سبق أيضا .

266 - قوله : ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون ، ومثله في الروم " 34 " ، وفي العنكبوت : وليتمتعوا فسوف يعلمون باللام والياء ، أما التاء في السورتين فبإضمار القول ، أي : قل لهم تمتعوا ، كما في قوله : قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار ، وكذلك : قل تمتع بكفرك قليلا . وخصت هذه بالخطاب بقوله : إذا فريق منكم ، وألحق ما في الروم به .

وأما في العنكبوت فعلى القياس ، عطف على اللام قبله ، وهي للغائب .

267 - قوله : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ، وفي الملائكة : بما كسبوا ما ترك على ظهرها . الهاء في هذه السورة كناية عن الأرض ، ولم يتقدم ذكرها ، والعرب تجوز ذلك في كلمات منها : الأرض ، تقول : فلان أفضل من عليها . ومنها : السماء ، تقول : فلان أكرم من تحتها . ومنها : الغداء ، ( تقول ) : إنها اليوم لباردة . ومنها : الأصابع ، تقول : والذي شقهن خمسا من واحدة ، يعني الأصابع من اليد . وإنما جوزوا ذلك لحصولها بين يدي كل متكلم وسامع .

[ ص: 161 ] ولما كان كناية عن غير مذكور لم يزد معه الظهر ؛ لئلا يلتبس بالدابة ، لأن الظهر أكثر ما يستعمل في الدابة . قال - عليه الصلاة والسلام - : إن المنبت لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى .

وأما في الملائكة فقد تقدم ذكر الأرض في قوله : " أولم يسيروا في الأرض " ، وبعدها : " ولا في الأرض " ، فكان كناية عن مذكور سابق ، فذكر الظهر حيث لا يلتبس .

قال الخطيب : لما قال في النحل : بظلمهم ؛ لم يقل : ( على ظهرها ) احترازا عن الجمع بين الظاءين ؛ لأنها تقل في الكلام ، وليست لأمة من الأمم سوى العرب .

قال : ولم يجئ في هذه السورة إلا في سبعة أحرف ، نحو : الظلم ، والنظر ، والظل ، وظل وجهه ، والظهر ، والعظم ، والوعظ ، فلم يجمع بينهما في جملتين معقودتين عقد كلام واحد ، وهو : لو وجوابه .

267 - قوله : فأحيا به الأرض بعد موتها ، وفي العنكبوت : من بعد موتها ، وكذلك حذف من قوله : لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ، وفي الحج : من بعد علم شيئا ؛ لأنه أجمل الكلام في هذه السورة ( وفصل في الحج ) فقال : فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة . . . إلى قوله : ومنكم من يتوفى فاقتضى الإجمال [ ص: 162 ] الحذف ، والتفصيل الإثبات . فجاء في كل سورة بما اقتضاه الحال .

268 - قوله : نسقيكم مما في بطونه ، وفي المؤمنين : في بطونها ؛ لأن ( الضمير ) في هذه السورة يعود إلى البعض وهو الإناث ؛ لأن اللبن لا يكون للكل ، فصار تقدير الآية : وإن لكم في بعض الأنعام . بخلاف ما في المؤمنين ، فإنه عطف عليه ما يعود على الكل ولا يقتصر على البعض ، وهو قوله : ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها ، ثم يحتمل أن يكون المراد البعض ، فأنث حملا على الأنعام ، وما قيل من أن الأنعام ههنا بمعنى النعم ؛ لأن الألف واللام تلحق الآحاد بالجمع ، وفي إلحاق الجمع بالآحاد حسن ، لكن الكلام وقع في التخصيص ، والوجه ما ذكرت ، والله أعلم .

269 - قوله : وبنعمت الله هم يكفرون ، وفي العنكبوت : يكفرون بغير " هم " ؛ لأن في هذه السورة اتصل والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات . ثم عاد إلى الغيبة فقال : أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون . فلا بد من تقييده بهم ؛ لئلا تلتبس الغيبة بالخطاب والتاء بالباء .

وما في العنكبوت اتصل بآيات استمرت على الغيبة فيها كلها ، فلم يحتج إلى تقييده بالضمير .

270 - قوله : ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم . كرر " إن " ، وكذلك في الآية الأخرى : ثم إن ربك ؛ لأن [ ص: 163 ] الكلام لما طال بصلته ، أعاد إن واسمها ، وثم ، وذكر الخبر ، ومثله : أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون أعاد أن واسمها لما طال الكلام .

271 - قوله : ولا تك في ضيق مما ، وفي النمل : ولا تكن بإثبات النون . هذه الكلمة كثر دورها في الكلام ، فحذف النون منها تخفيفا من غير قياس ، بل تشبيها بحروف العلة ، ويأتي ذلك في القرآن في بضع عشرة موضعا ، تسعة منها بالتاء ، وثمانية بالياء ، وموضعان بالنون ، وموضع بالهمزة ، وخصت هذه السورة بالحذف دون النمل موافقة لما قبلها وهو قوله : ولم يك من المشركين .

والثاني : إن هذه الآية نزلت تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين قتل عمه حمزة ومثل به ، فقال - عليه الصلاة والسلام - : لأفعلن بهم ولأصنعن ، فأنزل الله تعالى : ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ، فبالغ في الحذف ليكون ذلك مبالغة في التسلي ، وجاء في النمل على القياس ؛ ولأن الحزن هنا دون الحزن هناك .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث