الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة فقد وله زوجة أو أم ولد وأمة ومال

جزء التالي صفحة
السابق

ومن طريق سعيد بن منصور ثنا هشيم أخبرنا سيار عن الشعبي : أنه كان يقول : في امرأة المفقود : إن جاء الأول فهي امرأته ، ولا خيار له - قال هشيم : وهو القول - قال هشيم : وأرنا إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي أنه قال في امرأة المفقود إذا تزوجت فحملت من زوجها الآخر ، ثم بلغها أن زوجها الأول حي ، يفرق بينها وبين زوجها الآخر ، فإن مات زوجها الأول فإنها تعتد من هذا الآخر بقية حملها ; فإذا وضعت اعتدت من الأول أربعة أشهر وعشرا وورثته .

ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن المغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي في امرأة المفقود ، قال : هي مبتلاة فلتصبر .

ومن طريق سعيد بن منصور نا جرير عن مغيرة عن النخعي مثل قول علي في امرأة المفقود : لا تتزوج حتى يستبين أمره .

ومن طريق شعبة : أنه سمع حماد بن أبي سليمان يقول : قال عمر في امرأة المفقود تخير - وقال علي : هي امرأته - قال حماد : وعمر أحب إلي من علي ، وقول علي أعجب إلي من قول عمر .

وممن قال : لا تؤجل امرأة المفقود ، ولا يفرق بينه وبينها القاضي - : ابن أبي ليلى ، [ ص: 323 ] وابن شبرمة ، وعثمان البتي ، وسفيان الثوري ، والحسن بن حي ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأبو سليمان ، وأصحابهم .

وقال الشافعي ، وأبو سليمان : من حكم بتأجيلها ثم فسخ النكاح منه وأمرها أن تعتد ، ثم تزوجت ; فإنه يفسخ كل ذلك ، وترد إلى الأول كما كانت .

وقال الأوزاعي - في القوم يلقون العدو فيفقدون ، فلا يدرى أقتلوا أم أسروا : فإن نساءهم يعتدون عدة المتوفى عنها زوجها ، ثم يتزوجن - كتب بذلك عمر بن الخطاب - وعلى هذا مضى أمر الناس .

وقال الليث بن سعد في امرأة المفقود : أنها تؤجل ، فإن جاء زوجها المفقود ووجدها تزوجت ، فهو أولى بها وترد إليه .

وقال مالك : تنتظر امرأة المفقود أربع سنين من حين ترفع أمرها إليه ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا ، فإن كان الزوج عبدا أجلت عامين ثم تعتد - كما ذكرنا - فإن جاء زوجها قبل أن تتزوج فهي امرأته كما كانت ، وإن جاء - وقد تزوجت - فلا سبيل له إليها - دخل الثاني بها أو لم يدخل - .

ثم رجع مالك فقال : هو أولى بها ما لم يدخل بها الثاني ، ولا خيار للأول - قال : وإنما هذا في المفقود في غير الحرب .

فأما الذي فقد في الحرب فلم يعرف أميت هو أم حي ؟ فلا تؤجل امرأته ، ولا يفرق بينه وبينها - قال : ولا يقسم مال المفقود ، ولا تعتق أمهات أولاده ، حتى يأتي من الزمان ما يعرف أنه لا يعيش إليه .

وقال أحمد وإسحاق : تتربص امرأة المفقود أربعة أشهر وعشرا بعد أربعة أعوام ، ثم تتزوج - قالا جميعا : والمفقود الذي تؤجل امرأته - : هو المفقود في الحرب أو في البحر ، أو يفقد من منزله .

وأما من غاب عن أهله فلم يدر ما فعل فلا تؤجل امرأته .

قال أبو محمد : اختلف السلف في اثني عشر موضعا من هذه القصة وهي - : من [ ص: 324 ] المفقود ؟ - والتأجيل - ومن متى يبدأ التأجيل ؟ - وكم التأجيل - وهل بعد التأجيل طلاق الولي ؟ - وهل بعد ذلك عدة الوفاة ؟ - وحكم تخيير الزوج إن قدم - وفيما ذا تخير ؟ - وعلى من غرم الصداق إن اختاره ؟ - وأي صداق يكون ؟ - وهل يقسم ميراثه ؟ - وهل تعتق أمهات أولاده ؟ .

فأما من المفقود : فإن كل من روي عنه في هذا شيء لم يفرق بين أحوال الفقد ، وهم - : عمر ، وعثمان ، وعلي ، وابن مسعود وابن عباس ، وابن عمر .

ومن التابعين - : الحسن ، وخلاس بن عمرو ، وإبراهيم النخعي ، والحكم بن عتيبة ، وعطاء ، والزهري ، ومكحول والشعبي ، وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب ، وقتادة ، وأبو الزناد ، وربيعة ، وحماد بن أبي سليمان ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وعثمان البتي ، وسفيان الثوري ، وهشيم ، والحسن بن حي ، والأوزاعي ، والليث ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وداود ، وأصحابهم - حاشا : مالكا ، وأحمد ، وإسحاق - : فإن مالكا قال : ليس هذا الحكم في المفقود في الحرب - ولا نعلم هذا عن أحد قبل مالك - .

وقال أحمد وإسحاق ، ليس هذا الحكم فيمن خرج عن أهله ففقد .

وأما التأجيل : فإن كل من ذكرنا روى التأجيل - حاشا روايات عن علي ، وابن مسعود ، ورواية عن الشعبي ، ورواية عن النخعي ، وحماد بن أبي سليمان ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وعثمان البتي ، وسفيان الثوري والحسن بن حي ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، وداود وأصحابهم .

وأما متى يبدأ التأجيل - في قول من قال به - : فإن أكثر من ذكرنا يرى مبدأه من حين يرفع أمرها إلى الإمام - حاشا رواية ضعيفة عن عمر : أنه أمرها بإتمام أربع سنين من حين غاب .

وقال بعضهم : تربص أربع سنين - ولم يحدوا من حين تبدأ ؟ وأما كم التأجيل : فإن من ذكرنا يراه أربع سنين ، إلا سعيد بن المسيب ومالكا - قال سعيد : أرى أن تؤجل امرأة من فقد في الصف سنة ، ومن فقد في غير الصف أربع سنين - .

[ ص: 325 ] وقال مالك : إن كان عبدا أجلت له عامين - ولا يعلم هذا عن أحد قبله .

وأما طلاق الولي بعد التأجيل : فإنه صح عن عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب والحسن ، وعطاء .

وأما هل بعد ذلك عدة وفاة : فإنه قد ذكرنا عن عمر ، وعثمان ، وعمر بن عبد العزيز : تربص أربعة أعوام ، ثم تتزوج دون ذكر عدة وفاة .

وصح عن عثمان ، وابن عباس ، وابن عمر ، وعلي ، والحسن ، وعطاء وأبي الزناد ، وربيعة : أنها تعتد أيضا عدة الوفاة - وفي بعض تلك الروايات : أنها تعتد أيضا من الطلاق .

وأما تخيير الزوج إذا قدم : فثابت عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، ولم يرو عن صاحب رأي التأجيل خلاف ذلك ؟ وصح أيضا : عن الحسن ، وخلاس ، وإبراهيم ، وعطاء ، والحكم بن عتيبة والزهري ، ومكحول ، والشعبي .

وروينا عن كل من ذكرنا عنه تخيير الزوج : أنه يخير بين زوجته وبين الصداق ، إلا رواية عن عمر صحيحة : أنه خيره بين زوجته وبين أن يزوجه من أخرى .

واختلف بعضهم فيمن يغرم الصداق - إن اختاره الزوج - : فقال جمهور من ذكرنا : يغرمه الزوج الآخر - وقال الزهري : تغرمه المرأة .

واختلفوا أيضا : أي الصداق يقضى له به . - إن اختاره - : فقال جمهورهم : صداقه الذي كان أصدقها هو .

وقال خلاس بن عمرو : بل صداق الزوج الآخر .

واختلفوا هل تعتق أمهات أولاده ؟ - فقال قتادة : تعتق أمهات أولاده إذا أبيح لزوجته الزواج ، وإنما قضي بذلك في خلافة عثمان - رضي الله عنه - وقال بعضهم : لا يعتقن .

واختلفوا في ميراثه هل يقسم ؟ فروينا : أن في خلافة عثمان - رضي الله عنه - قسم ميراثه إذا أبيح لامرأته الزواج . [ ص: 326 ]

قال أبو محمد : أما المالكيون ، والحنفيون ، والشافعيون - فإنهم تناقضوا هاهنا أقبح تناقض .

فأما الشافعيون - فقلدوا عمر في رواية لم تصح عنه قط في تأجيل امرأة العنين وإخراجها عن عصمته بغير قرآن ولا سنة .

ثم خالفوا هاهنا عمر ، وعثمان ، وعليا ، وابن عباس ، وابن عمر فيما صح عنهم من تأجيل امرأة المفقود - وهذا عجب جدا ؟

وكذلك فعل الحنفيون أيضا : وقد ردوا تقليد ما لم يصح عن عمر في توريث المطلقة ثلاثا - وهذا تلاعب بالدين وبالتحريم والتحليل ، ولئن كان عمر هنالك حجة إنه هاهنا لحجة ، وإن لم يكن هاهنا حجة فما هو هنالك حجة .

فإن قالوا : قد خالفه علي هاهنا ؟ قلنا : قد خالفه علي في أجل العنين ولا فرق ، وقد خالفه عبد الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن الزبير في توريث المبتوتة في المرض - وكلا القولين موجب فسخ نكاح لم يوجب الله تعالى فسخه ، ولا رسوله صلى الله عليه وسلم .

وأما المالكيون - فإنهم خالفوا الثابت عن عمر من أنه أمر وليه بطلاقها وأنه خير الزوج - إذا أتى - بينها وبين الصداق ، وقلدوه فيما لم يصح عنه قط ، من أن تعتد بعد ذلك عدة الوفاة .

فإن قالوا : قد صح ذلك عن علي ، وابن عباس ، وابن عمر ؟ قلنا : وقد صح عن عمر تخيير الزوج - إذا جاء - بينها وبين الصداق ، فمن أين وقع لكم تقليد بعض الصحابة في بعض هذه القضية بلا دليل أصلا ، لا من قرآن ، ولا من سنة ، ولا من قياس ؟ ومخالفة بعضهم فيها نفسها ، وهذا تحكم في الدين بالباطل ، فلا ندري من أين وقع لهم تقليد بعض ما روي عن عمر دون سائر ما روي عنه بلا برهان أصلا ؟ قال علي : لا حجة في أحد دون الله تعالى ورسوله - عليه الصلاة والسلام - ولا يحل تحريم فرج أباحه الله تعالى للزوج وتحليله لمن حرمه الله تعالى عليه من سائر الرجال بغير قرآن ولا سنة .

[ ص: 327 ] وأما الصحابة - رضي الله عنهم - فقد فازوا - وهم والله مأجورون - في كل ما قالوه قاصدين به الحق ، وإنما الشأن فيمن قال قولا في الدين لم يأت به قرآن ولا سنة .

فإذا قيل له : من أين قلته ؟ قال : لأن عمر ، وعثمان قاله .

فإذا قيل له : ففي هذه القضية نفسها لهما قول خالفتموه - : هو أصح عنهما من الذي زعمتم أنكم احتججتم بهما فيه ؟ لجوا على تقليدهم إعراضا عن الحق بلا برهان أصلا .

قال أبو محمد : فإذا لا حجة في أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز فسخ نكاح أحد بمغيبه ، ولا إيجاب عدة ممن لم يصح موته ، ولا أن يطلق أحد عن غيره - وبالله تعالى التوفيق .

ومن العجب قول مالك " إن جاء الزوج قبل أن تتزوج فهو أولى بها وهي امرأته كما كانت " فيقال لمن قلده : ومن أين قلت هذا وأنت قد قطعت عصمته منها وأبحت لها أن تنكح من شاءت ؟ وكيف تردها إلى أجنبي قد أبحت لها نكاح زوج سواه من أجل تأخيرها نكاحا قد أبحته لها عادت إلى زوج قد فسخت نكاحها منه ؟ هذا مع أنه قول لا يحفظ عن أحد قبل مالك ، فاعجبوا لهذا الاختيار ؟

ثم يقال لهم : ومن أين قلتم في أحد قوليه : إنه إن جاء الزوج - وهي قد تزوجت - فلا سبيل له إليها من أجل عقد قد كان لها مباحا ، إذ رددتها إليه بكل حال ، فقولوا لنا : أي شيء أحدثه عقدها النكاح من تحريمها على زوجها ممن لم تحدثه إباحتك لها ذلك العقد ، فأجزت عقدها .

ثم قوله الثاني : من أنه إن جاء الزوج - قد تزوجت إلا أنه لم يدخل بها فهي زوجة الأول - وإن جاء بعد دخول الثاني بها فلا سبيل له عليها ؟ فقولوا لنا : هل دخل الزوج الثاني على زوجته ، أو على أجنبية ؟ فإن قالوا : على زوجته ؟ قلنا : فمن أين أبحتم فرج زوجته التي أحللتم له الدخول بها لإنسان قد فسختم نكاحه منها ، وحرمتموها عليه وعقدتم نكاحها مع غيره ؟ وإن قالوا : بل دخل على غير زوجته ؟ [ قلنا ] ومن أين استحللتم أن تبيحوا له وطء غير زوجته ؟ - : [ ص: 328 ] فلاح يقينا أنها أقوال فاسدة متخاذلة ، خطأ لا شك فيها .

وقد قال بعضهم : إنما فعلنا ذلك بما روي عن عمر ذلك في أي كنف ؟ فقلنا : هذا تمويه آخر ، وهلا فعل عمر ذلك في أي كنف إلا إذا طلق امرأته وأعلمها بالطلاق ، ثم راجعها ولم يعلمها بالرجعة ، فمن الذي أدخل هذه القضية في تلك ؟ مع أن هذين القولين جميعا لا يحفظان عن أحد من أهل العلم أنه قاله قبل مالك ، ولا يجدونه أبدا ، فاعجبوا لفحش هذا التقليد إذ قلدوا قولا لا يعرف أحد قاله قبل مالك - : خالفوا فيه كل قول لصاحب أو تابع رأوا في تلك القصة التي أوهموا فيها أنهم يحتجون ببعض الصحابة رضي الله عنهم - وبالله تعالى التوفيق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث