الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة الأنبياء

سورة الأنبياء

305 - قوله تعالى : ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث ، وفي الشعراء : وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث . [ ص: 177 ] خصت هذه السورة بقوله : من ربهم بالإضافة ؛ لأن الرحمن لم يأت مضافا ، ولموافقته ما بعده ، وهو قوله : قال ربي يعلم ، وخصت الشعراء بقوله : من الرحمن لتكون كل سورة مخصوصة بوصف من أوصافه ، وليس في أوصاف الله اسم أشبه باسم الله من الرحمن ؛ لأنهما اسمان ممنوعان أن يسمى بهما غير الله - عز وجل - ولموافقة ما بعده وهو قوله : لهو العزيز الرحيم ؛ لأن الرحمن الرحيم مصدر واحد .

306 - قوله : وما أرسلنا قبلك إلا رجالا ، وبعده : وما أرسلنا من قبلك كلاهما لاستيعاب الزمان المتقدم ، إلا أن " من " إذا دخل دل على الحصر بين الحدين ، وضبطه بذكر الطرفين ، ولم يأت " وما أرسلنا قبلك " إلا هذه ، وخصت بالحذف لأن قبلها : ما آمنت قبلهم من قرية فبناه عليه ؛ لأنه هو . وأخر " من " في الفرقان : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ، وزاد في الثاني : من قبلك من رسول على الأصل للحصر .

307 - قوله : كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ، وفي العنكبوت : ثم إلينا ترجعون ؛ لأن ثم للتراخي . والرجوع هو : الرجوع إلى الجنة أو النار ، وذلك في القيامة ، فخصت سورة العنكبوت به ، وخصت هذه السورة بالواو لما حيل بين الكلامين بقوله : ونبلوكم بالشر والخير فتنة ، وإنما ذكرا لتقدم ذكرهما ، فقام مقام التراخي ، وناب الواو منابه .

[ ص: 178 ] 208 - قوله : وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا ، وفي الفرقان : وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ؛ لأنه ليس في هذه الآية التي تقدمتها ذكر الكفار هنا ، فصرح باسمهم ، وفي الفرقان قد ذكر الكفار ، فخص الإظهار بهذه السورة ، والكناية بتلك .

309 - قوله : ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون قالوا وجدنا آباءنا ، وفي الشعراء : قالوا بل وجدنا بزيادة " بل " ؛ لأن قوله : " وجدنا آباءنا " جواب لقوله : ما هذه التماثيل ، وفي الشعراء أجابوا عن قوله : ما تعبدون بقولهم : نعبد أصناما . ثم قال : هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون . فأتى بصورة الاستفهام ومعناه النفي ، قالوا : بل وجدنا . أي : قالوا : لا ، بل وجدنا عليه آباءنا ؛ لأن السؤال في الآية يقتضي في جوابهم أن ينفوا ما نفاه السائل ، فأضربوا عنه إضراب من ينفي الأول ويثبت الثاني ، فقالوا : بل وجدنا . فخصت السورة به .

310 - قوله : وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ، وفي الصافات : الأسفلين ؛ لأن في هذه السورة كادهم إبراهيم - عليه السلام - بقوله : لأكيدن أصنامكم . وكادوا هم إبراهيم بقوله : وأرادوا به كيدا . فجرت بينهم مكايدة فغلبهم إبراهيم ؛ لأنه كسر أصنامهم ، ولم يغلبوه ؛ لأنهم لم يبلغوا من إحراقه مرادهم ، فكانوا هم الأخسرين .

وفي الصافات : قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم [ ص: 179 ] فأججوا نارا عظيمة ، وبنوا بنيانا عاليا ، ورفعوه إليه ، ورموه منه إلى أسفل ، فرفعه الله وجعلهم في الدنيا من الأسفلين ، وردهم في العقبى أسفل سافلين ، فخصت الصافات بالأسفلين .

311 - قوله : ونجيناه بالفاء ، سبق في يونس ، ومثله في الشعراء : فنجيناه وأهله أجمعين إلا عجوزا في الغابرين .

312 - قوله : وأيوب إذ نادى ربه ، ختم القصة بقوله : رحمة من عندنا ، وقال في ص : رحمة منا ؛ لأنه هنا بالغ في التضرع بقوله : وأنت أرحم الراحمين ، فبالغ سبحانه في الإجابة وقال : رحمة من عندنا ؛ لأن ( عند ) حيث جاء دل على : أن الله سبحانه تولى ذلك من غير واسطة .

وفي ( ص ) لما بدأ القصة بقوله : واذكر عبدنا ختم بقوله : " منا " ليكون آخر الآية لفقا بالأول . الآية .

313 - قوله : فاعبدون وتقطعوا ، وفي المؤمنون : فاتقون فتقطعوا ؛ لأن الخطاب في هذه السورة للكفار ، فأمرهم بالعبادة التي هي التوحيد ، ثم قال : وتقطعوا بالواو ؛ لأن التقطع قد كان منهم قبل هذا القول لهم ، ومن جملة خطاب المؤمنين ؛ فمعناه : داوموا على الطاعة . وفي المؤمنون الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين ، بدليل قوله : يا أيها الرسل كلوا من الطيبات ، والأنبياء والمؤمنون مأمورون بالتقوى . ثم قال : فتقطعوا أمرهم أي : ظهر منهم التقطع بعد هذا القول ، والمراد أممهم .

314 - قوله : والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها ، [ ص: 180 ] وفي التحريم : فنفخنا فيه ؛ لأن المقصود في هذه السورة ذكرها ، وما آل إليه أمرها حتى ظهر فيها ابنها ، وصارت هي وابنها آية ، وذلك لا يكون إلا بالنفخ في حملها وتحملها ، والاستمرار على ذلك إلى ولادتها ، فلهذا اختصت بالتأنيث .

وما في التحريم مقصور على ذكر إحصانها ، وتصديقها بكلمات ربها ، وكأن النفخ أصاب فرجها وهو مذكر ، والمراد به : فرج الجيب ، أو غيره ، فخصت بالتذكير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث