الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص

قوله تعالى : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص .

وأخرج ابن جرير ، عن ابن عباس قال : لما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا في سنة ست من الهجرة، وحبسه المشركون عن الدخول والوصول إلى البيت، وصدوه بمن معه من المسلمين في ذي القعدة، وهو شهر حرام، حتى قاضاهم على الدخول من قابل، فدخلها في السنة الآتية هو ومن كان معه من المسلمين، وأقصه الله منهم، نزلت هذه الآية : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص .

وأخرج الواحدي من طريق الكلبي ، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صد عن البيت ثم صالحه المشركون على أن يرجع عامه القابل، فلما كان العام القابل تجهز [ ص: 318 ] وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي قريش بذلك، وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الشهر الحرام، فأنزل الله ذلك .

وأخرج ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن أبي العالية قال : أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأحرموا بالعمرة في ذي القعدة، ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية صدهم المشركون، فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرجع ثم يقدم عاما قابلا، فيقيم بمكة ثلاثة أيام ولا يخرج معه بأحد من أهل مكة ، فنحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالهدي بالحديبية، وحلقوا أو قصروا، فلما كان عام قابل أقبلوا حتى دخلوا مكة في ذي القعدة، فاعتمروا وأقاموا بها ثلاثة أيام، وكان المشركون قد فخروا عليه حين صدوه يوم الحديبية، فقص الله له منهم، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي ردوه فيه فقال : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن مجاهد في قوله : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص . قال : فخرت قريش بردها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة من العام المقبل [ ص: 319 ] وقضى عمرته، وأقصه ما حيل بينه وبين يوم الحديبية .

وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير ، عن قتادة قال : أقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي، حتى إذا كانوا بالحديبية، فصدهم المشركون، فصالحهم نبي الله أن يرجع عامه ذلك حتى يرجع من العام المقبل، فيكون بمكة ثلاث ليال، ولا يدخلوها إلا بسلاح الراكب، ولا يخرج بأحد من أهل مكة ، فنحروا الهدي بالحديبية، وحلقوا وقصروا، حتى إذا كان من العام المقبل، أقبل نبي الله وأصحابه معتمرين في ذي القعدة حتى دخلوا، فأقام بها ثلاث ليال، وكان المشركون قد فخروا عليه حين ردوه يوم الحديبية، فأقصه الله منهم وأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كانوا ردوه فيه في ذي القعدة، فقال الله : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص .

وأخرج ابن جرير ، والنحاس في "ناسخه"، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : قول الله عز وجل : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فقال : هذا يوم الحديبية، صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيت الحرام وكان معتمرا، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة التي بعدها معتمرا مكة ، فعمرة في الشهر الحرام بعمرة في الشهر الحرام . [ ص: 320 ] وأخرج البيهقي في «الدلائل»، عن عروة وابن شهاب قالا : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام القابل من عام الحديبية معتمرا في ذي القعدة سنة سبع، وهو الشهر الذي صده فيه المشركون عن المسجد الحرام، وأنزل الله في تلك العمرة : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فاعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشهر الحرام الذي صد فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث