الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                ولكن من يتخذ نفيسة ربا ويقول : إنها تجير الخائف وتغيث الملهوف وأنا في حسبها ويسجد لها ويتضرع في دعائها مثل ما يتضرع في دعاء رب الأرض والسموات ويتوكل على حي قد مات ولا يتوكل على الحق الذي لا يموت ، فلا ريب أن إشراكه بمن هو أفضل منها يكون أقوى .

                قال تعالى : { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون } { سيقولون لله قل فأنى تسحرون } .

                وحديث { معاذ لما رجع من الشام فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما هذا يا معاذ فقال : رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم فقال يا معاذ : أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجدا له ؟ قال لا قال : فلا تسجد لي ، فلو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها } .

                فمن لا ينهى الضالين عن مثل هذا الشرك المحرم بإجماع المسلمين .

                كيف ينهى عما هو أقل منه ؟ ومن دعا رجلا أو امرأة من دون الله فهو مضاه لمن اتخذ المسيح وأمه إلهين من دون الله .

                وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 276 ] أنه قال : " { لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم ، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله } " .

                بل من سوغ أن يدعى المخلوق ومنع من دعاء الخالق الذي فيه تحقيق صمديته وإلهيته فقد ناقض " الإسلام " في النفي والإثبات : وهو شهادة أن لا إله إلا الله .

                وأما حقوق رسول الله - بأبي هو وأمي - مثل تقديم محبته على النفس والأهل والمال ، وتعزيره وتوقيره وإجلاله وطاعته واتباع سنته وغير ذلك فعظيمة جدا .

                وكذلك مما يشرع التوسل به في الدعاء كما في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه أن { النبي صلى الله عليه وسلم علم شخصا أن يقول : اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة يا محمد يا رسول الله إني أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليقضيها اللهم فشفعه في } " فهذا التوسل به حسن .

                وأما دعاؤه والاستغاثة به : فحرام .

                والفرق بين هذين متفق عليه بين المسلمين .

                المتوسل إنما يدعو الله ويخاطبه ويطلب منه لا يدعو غيره إلا على سبيل استحضاره ، لا على سبيل الطلب منه وأما الداعي والمستغيث فهو الذي يسأل المدعو ويطلب منه ويستغيثه ويتوكل عليه والله هو رب العالمين [ ص: 277 ] ومالك الملك وخالق كل شيء وهو الذي يجيب المضطر إذا دعاه وهو القريب الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه وهو سميع الدعاء سبحانه وتعالى : عما يقول الظالمون علوا كبيرا .

                وأنا قد صنفت كتابا كبيرا سميته " الصارم المسلول على شاتم الرسول " وذكرت في هذه المسألة ما لم أعرف أحدا سبق إليه .

                وكذلك هذه " القواعد الإيمانية " قد كتبت فيها فصولا هي من أنفع الأشياء في أمر الدين .

                ومما ينبغي أن يعرف به الشيخ أني أخاف أن القضية تخرج عن أمره بالكلية ويكون فيها ما فيه ضرر عليه وعلى ابن مخلوف ونحوهما ، فإنه قد طلب مني ما يجعل سببا لذلك ولم أجب إليه فإني إنما أنا لون واحد والله ما غششتهما قط ولو غششتهما كتمت ذلك .

                وأنا مساعد لهما على كل بر وتقوى .

                ولا ريب أن الأصل الذي تصلح عليه الأمور رجوع كل شخص إلى الله وتوبته إليه في هذا العشر المبارك .

                فإذا حسنت السرائر أصلح الله الظواهر .

                فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون وهذه قضية كبيرة كلما كانت تزداد ظهورا تزداد انتشارا .

                والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

                والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما .

                التالي السابق


                الخدمات العلمية