الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود

جزء التالي صفحة
السابق

قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد

فإن قلت: أين جواب القسم؟ قلت: محذوف يدل عليه قوله: قتل أصحاب الأخدود كأنه قيل: أقسم بهذه الأشياء أنهم ملعونون، يعني كفار قريش كما لعن أصحاب [ ص: 347 ] الأخدود; وذلك أن السورة وردت في تثبيت المؤمنين وتصبيرهم على أذى أهل مكة ، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان. وإلحاق أنواع الأذى، وصبرهم وثباتهم، حتى يأنسوا بهم ويصبروا على ما كانوا يلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم عند الله بمنزلة أولئك المعذبين المحرقين بالنار، ملعونون أحقاء بأن يقال فيهم: قتلت قريش، كما قيل: قتل أصحاب الأخدود. وقتل: دعاء عليهم، كقوله: قتل الإنسان ما أكفره [عبس: 17]. وقرئ: "قتل" بالتشديد. والأخدود: الخد في الأرض وهو الشق، ونحوهما بناء ومعنى: الخق والأخقوق. ومنه فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلاما ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهب: فسمع منه، فرأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس. فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها; فكان الغلام بعد ذلك يبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي من الأدواء، وعمي جليس للملك فأبرأه فأبصره الملك فسأله فقال: من رد عليك بصرك؟ فقال: ربي، فغضب فعذبه. فدل على الغلام فعذبه، فدل على الراهب، فلم يرجع الراهب عن دينه، فقد بالمنشار وأبى الغلام فذهب به إلى جبل ليطرح من ذروته، فدعا فرجف بالقوم، فطاحوا ونجا، فذهب به إلى قرقور فلججوا به ليغرقوه، فدعا فانكفأت بهم السفينة، فغرقوا ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجعل الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه فوضع يده عليه ومات; فقال الناس: أمنا برب الغلام; فقيل للملك. نزل بك ما كنت تحذر; فأمر بأخاديد في أفواه السكك وأوقدت فيها النيران. فمن لم يرجع منهم طرحه فيها حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أماه، اصبري فإنك على الحق; فاقتحمت. وقيل: قال لها قعي ولا تنافقي. وقيل: قال لها: ما هي إلا غميضة فصبرت. وعن علي - رضي الله عنه -: أنهم حين اختلفوا في أحكام [ ص: 348 ] المجوس قال: هم أهل كتاب وكانوا متمسكين بكتابهم، وكانت الخمر قد أحلت لهم، فتناولها بعض ملوكهم فسكر، فوقع على أخته فلما صحا ندم وطلب المخرج، فقالت له: المخرج أن تخطب الناس فتقول: يا أيها الناس، إن الله أحل نكاح الأخوات، ثم تخطبهم بعد ذلك فتقول: إن الله حرمه; فخطب فلم يقبلوا منه. فقالت له: ابسط فيهم السوط; فلم يقبلوا; فقالت له: ابسط فيهم السيف، فلم يقبلوا; فأمرته بالأخاديد وإيقاد النيران وطرح من أبى فيها; فهم الذين أرادهم الله بقوله: قتل أصحاب الأخدود وقيل: وقع إلى نجران رجل ممن كان على دين عيسى عليه السلام، فدعاهم فأجابوه فسار إليهم ذو نواس اليهودي بجنود من حمير ، فخيرهم بين النار واليهودية فأبوا، فأحرق منهم اثني عشر ألفا في الأخاديد. وقيل: سبعين ألفا; وذكر أن طول الأخدود: أربعون ذراعا وعرضه اثنا عشر ذراعا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ من جهد البلاء النار بدل اشتمال من الأخدود ذات الوقود [ ص: 349 ] وصف لها بأنها نار عظيمة لها ما يرتفع به لهبها من الحطب الكثير وأبدان الناس، وقرئ: الوقود بالضم. "إذ" ظرف لقتل، أي: لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها. ومعنى عليها على ما يدنو منها من حافات الأخدود، كقوله [من الطويل]:


.................... وبات على النار الندى والمحلق



وكما تقول: مرت عليه، تريد: مستعليا لمكان يدنو منه، ومعنى شهادتهم على إحراق المؤمنين: أنهم وكلوا بذلك وجعلوا شهودا يشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به وفوض إليه من التعذيب. ويجوز أن يراد: أنهم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين، يؤدون شهادتهم يوم القيامة يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون [النور: 24]. وما نقموا منهم وما عابوا منهم وما أنكروا إلا الإيمان كقوله [من الطويل]:


ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم      ..............



قال ابن الرقيات: [المنسرح]


ما نقموا من بني أمية إل     لا أنهم يحلمون إن غضبوا

وقرأ أبو حيوة : نقموا بالكسر، والفصيح: هو الفتح. وذكر الأوصاف التي يستحق بها أن يؤمن به ويعبد، وهو كونه عزيزا غالبا قادرا يخشى عقابه حميدا منعما. يجب له الحمد على نعمته ويرجى ثوابه. له ملك السماوات والأرض فكل من فيهما تحق عليه عبادته والخشوع له تقديرا، لأن / ما نقموا منهم هو الحق الذي لا ينقمه إلا مبطل منهمك في الغي، وأن الناقمين أهل لانتقام الله منهم بعذاب لا يعدله عذاب والله على كل شيء شهيد وعيد لهم، يعني أنه علم ما فعلوا، وهو مجازيهم عليه.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث