الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا

جزء التالي صفحة
السابق

وقد استثنى - سبحانه وتعالى - من الشعراء الذين يتبعهم الغاوون الذين آمنوا؛ أو استثنى الذين آمنوا من الغاوين الضالين الذين يتبعون الشعراء؛ فقال - عز من قائل -: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ؛ ظاهر اللفظ أن الاستثناء من الشعراء؛ ويكون الاستثناء متصلا؛ والمعنى أن الشعراء يتبعهم الضالون؛ لأنهم في كل واد يهيمون؛ ويقولون ما لا يفعلون [ ص: 5421 ] فيستثنى من هؤلاء الشعراء الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ وامتلأت قلوبهم بذكر الله؛ وذكروا الله كثيرا؛ كعبد الله بن رواحة؛ وحسان بن ثابت؛ وكعب بن زهير؛ وأولئك انتصروا للحق وناصروه؛ وكانوا يدفعون الهجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومنهم من قاد الجيوش؛ واستشهد أمام الروم في غزوة " مؤتة " ؛ وهو عبد الله بن رواحة.

ويصح أن يكون الاستثناء منقطعا؛ ومستثنى من الضالين؛ ويكون معنى " إلا " : " لكن " ؛ والمعنى: والشعراء يتبعهم الغاوون... إلى آخره؛ لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا بأن امتلأت قلوبهم بذكره؛ وانتصروا؛ أي: انتصفوا من المشركين؛ من بعد ما ظلموا؛ فإنهم يتبعون الحق ويتبعهم أهل الحق.

وقوله (تعالى): من بعد ما ظلموا ؛ " ما " ؛ مصدر حرفي؛ أي: من بعد ظلمهم؛ وإرهاقهم في أمرهم؛ وكل هذا كان بيانا لنصرة الله (تعالى) من بعد الأذى في مكة؛ وإشارة إلى وعد الله (تعالى) بالنصر المبين؛ و " انتصر " ؛ معناها: انتصف بنيله النصر؛ بعد جهاد في سبيل الله (تعالى).

وقوله (تعالى): وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ؛ السين هنا لتأكيد الفعل في المستقبل؛ والعلم الذي سيعلمونه هو علم المعاينة؛ إذ سيرون العذاب؛ وسيحسونه نازلا بهم؛ إذ يكونون في جهنم؛ وبئس المهاد؛ والتعبير بالموصول لبيان أن الصلة هي سبب ما ينزل بهم من عذاب شديد؛ لا يعرفونه الآن؛ وسيعرفونه من بعد؛ وقد ظلموا - أولا - بالشرك؛ و- ثانيا - بتكذيب الرسل؛ و- ثالثا - بإنكارهم للقرآن؛ ورميهم له بأنه تنزل به الشياطين؛ وأنه كأقوال الكهان؛ وغير ذلك مما ظلمت به العقيدة؛ والحقائق؛ وقد أضافوا إلى ذلك ظلم العباد؛ والصد عن سبيل الله (تعالى)؛ والمنقلب هو انقلابهم من الطغيان إلى المهانة؛ ومن رغد العيش إلى شدته؛ وقد أبهم هذا المنقلب؛ تأكيدا للتهديد؛ والإنذار الشديد.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث