الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين

جزء التالي صفحة
السابق

ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة

ألم نجعل له عينين يبصر بهما المرئيات ولسانا يترجم به عن ضمائره وشفتين يطبقهما على فيه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك. وهديناه النجدين أي: طريقي الخير والشر. وقيل: الثديين فلا اقتحم العقبة يعني: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم بالأعمال الصالحة: من فك الرقاب وإطعام اليتامى والمساكين، ثم [ ص: 378 ] بالإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير; بل غمط النعم وكفر بالمنعم. والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق المرضي النافع عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار، فيكون مثله كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم [آل عمران: 117]. الآية. فإن قلت: قلما تقع "لا" الداخلة على الماضي إلا مكررة، ونحو قوله [الرجز]:


فأي أمر سيئ لا فعله



لا يكاد يقع، فما لها لم تكرر في الكلام الأفصح؟ قلت: هي متكررة في المعنى; لأن معنى: فلا اقتحم العقبة فلا فك رقبة، ولا أطعم مسكينا. ألا ترى أنه فسر اقتحام العقبة بذلك.

وقال الزجاج : قوله: "ثم كان من الذين آمنوا" يدل على معنى: فلا اقتحم العقبة ، ولا آمن. والاقتحام: الدخول والمجاوزة بشدة ومشقة. والقحمة: الشدة، وجعل الصالحة: عقبة، وعملها: اقتحاما لها، لما في ذلك من معاناة المشقة ومجاهدة النفس. وعن الحسن : عقبة والله شديدة. مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان. وفك الرقبة: تخليصها من رق أو غيره. وفي الحديث: أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل يدخلني الجنة. فقال: "تعتق النسمة وتفك الرقبة. قال: أو ليسا سواء؟ قال: لا، إعتاقها أن تنفرد بعتقها. وفكها: أن تعين في تخليصها " من قود أو غرم. والعتق [ ص: 379 ] والصدقة: من أفاضل الأعمال. وعن أبي حنيفة رضي الله عنه: أن العتق أفضل من الصدقة. وعن صاحبيه: الصدقة أفضل، والآية أدل على قول أبي حنيفة لتقديم العتق على الصدقة، وعن الشعبي في رجل عنده فضل نفقة: أيضعه في ذي قرابة، أو يعتق رقبة؟ قال: الرقبة أفضل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فك رقبة فك الله بكل عضو منها عضوا منه من النار ". قرئ: فك رقبة أو إطعام على: هي فك رقبة، أو إطعام. وقرئ: فك رقبة أو أطعم، على الإبدال من اقتحم العقبة.

وقوله: وما أدراك ما العقبة اعتراض، ومعناه: أنك لم تدر كنه صعوبتها على النفس وكنه ثوابها عند الله. والمسغبة، والمقربة، والمتربة: مفعلات من سغب: إذا جاع. وقرب في النسب، يقال: فلان ذو قرابتي. وذو مقربتي. وترب: إذا افتقر، ومعناه. التصق بالتراب. وأما أترب فاستغنى، أي: صار ذا مال كالتراب في الكثرة، كما قيل: أثرى. وعن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ذا متربة الذي مأواه المزابل، ووصف اليوم بذي مسغبة نحو ما يقول النحويون في قولهم: هم ناصب: ذو نصب. وقرأ الحسن : ذا مسغبة؛ نصبه ب "إطعام". ومعناه: أو إطعام في يوم من الأيام ذا مسغبة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث