الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير سورة الفاتحة

سورة البقرة

5 - قوله تعالى : الم هذه الآية تتكرر في أوائل ست سور ، فهي من المتشابه لفظا ، وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله : وأخر متشابهات هي هذه الحروف الواقعة في أوائل السور ، فهي أيضا من المتشابه لفظا ومعنى ، والموجب لذكره أول البقرة من [ ص: 67 ] القسم وغيره ، وهو بعينه الموجب لذكره في أوائل سائر السور المبدوءة به ، وزاد في الأعراف صادا لما جاء بعده : فلا يكن في صدرك حرج منه ، ولهذا قال بعض المفسرين : معنى المص : ألم نشرح لك صدرك ؟ وقيل : معناه المصور . وزاد في الرعد راء لقوله بعده : الله الذي رفع السماوات .

6 - قوله : سواء عليهم ، وفي يس : وسواء بزيادة واو ، لأن ما في البقرة جملة هي خبر عن اسم إن ، وما في يس جملة عطفت بالواو على جملة .

7 - قوله : آمنا بالله وباليوم الآخر ليس في القرآن غيره تكرار العامل مع حرف العطف لا يكون إلا للتأكيد ، وهذه حكاية كلام المنافقين ، وهم أكدوا كلامهم نفيا للريبة ، وإبعادا للتهمة ، فكانوا في ذلك كما قيل : ( يكاد المريب يقول خذوني ) . فنفى الله الإيمان عنهم بأوكد الألفاظ فقال : وما هم بمؤمنين ، ويكثر ذلك مع النفي ، وقد جاء في القرآن في موضعين : في النساء : ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، وفي التوبة : قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر .

8 - قوله : يا أيها الناس اعبدوا ربكم ليس في القرآن غيره ، لأن العبادة في الآية : التوحيد .

[ ص: 68 ] والتوحيد أول ما يلزم العبد من المعارف ، فكان هذا أول خطاب خاطب الله به الناس في القرآن ، فخاطبهم بما ألزمهم أولا ، ثم ذكر سائر المعارف ، وبنى عليها العبادات فيما بعدها من السور والآيات .

فإن قيل : سورة البقرة ليست من أول القرآن نزولا ، فلا يحسن فيها ما ذكرت .

قلت : أول القرآن سورة الفاتحة ، ثم البقرة ، ثم آل عمران ، على هذا الترتيب إلى سورة الناس ، وهكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ ، وهو على هذا الترتيب كان يعرضه - عليه الصلاة والسلام - على جبريل - عليه السلام - كل سنة ، أي : ما كان يجتمع عنده منه ، وعرضه - عليه الصلاة والسلام - في السنة التي توفي فيها مرتين ، وكان آخر الآيات نزولا : واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ، فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدين .

وذهب جماعة من المفسرين إلى أن قوله في هود : فأتوا بعشر سور مثله معناه : مثل البقرة إلى هود ، وهي العاشرة ، ومعلوم أن سورة هود مكية ، وأن البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة ، والأنفال ، والتوبة مدنيات نزلن بعدها .

[ ص: 69 ] وفسر بعضهم قوله : ورتل القرآن ترتيلا أي اقرأه على هذا الترتيب من غير تقديم وتأخير ، وجاء النكير على من قرأه معكوسا ، ولو حلف إنسان أن يقرأ القرآن على الترتيب لم يلزمه إلا على هذا الترتيب ، ولو نزل جملة كما اقترحوا عليه بقولهم : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة لنزل على هذا الترتيب ؛ وإنما تفرقت سوره وآياته نزولا لحاجة الناس حالة بعد حالة ، ولأن فيه الناسخ والمنسوخ ، ولم يكونا ليجتمعا نزولا .

وأبلغ الحكم في تفرقة ما قاله سبحانه : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث وهذا أصل تنبني عليه مسائل ، والله أعلم .

9 - قوله تعالى : فأتوا بسورة من مثله بزيادة " من " السورة ، وغيرها بسورة مثله ، لأن " من " تدل على التبعيض ، ولما كانت هذه السورة سنام القرآن وأوله بعد الفاتحة ، حسن دخول " من " فيها ليعلم أن التحدي واقع على جميع سور القرآن من أوله إلى آخره ، وغيرها من السور لو دخلها " من " لكان التحدي واقعا على بعض السور دون بعض ، ولم يكن ذلك بالسهل .

والهاء في قوله : من مثله تعود إلى " ما " وهو القرآن . وذهب بعضهم إلى أنه يعود على محمد - عليه الصلاة والسلام - ، أي : [ ص: 70 ] فأتوا بسورة من إنسان مثله . وقيل : يعود إلى الأنداد ، وهو ضعيف ؛ لأن الأنداد جماعة ، والهاء للفرد . وقيل : مثله : التوراة ، والهاء تعود إلى القرآن . والمعنى : فأتوا بسورة من التوراة التي هي مثل القرآن ليعلموا وفاقهما . ( وهو ) خطاب لليهود .

10 - قوله : فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ذكر هذه الخلال في هذه السورة جملة ، ثم ذكرها في سائر السور مفصلا ، فقال في الأعراف : إلا إبليس لم يكن من الساجدين . وفي سبحان ( الإسراء ) : إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا . وفي الكهف : إلا إبليس كان من الجن . وفي طه : إلا إبليس أبى . وفي ص : إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين .

11 - قوله : اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا بالواو . وفي الأعراف : فكلا بالفاء . " اسكن " في الآيتين ليس بأمر بالسكون الذي هو ضد الحركة ، وإنما الذي في البقرة من السكون الذي معناه الإقامة ( وذلك يستدعي زمانا ممتدا ) فلم يصح إلا بالواو ؛ لأن المعنى : اجمع بين الإقامة فيها والأكل من ثمارها . ولو كان الفاء مكان الواو لوجب تأخير الأكل إلى الفراغ من الإقامة ؛ لأن الفاء للتعقيب والترتيب . والذي في الأعراف من السكنى الذي معناها : اتخاذ الموضع مسكنا ، لأن الله تعالى أخرج إبليس من الجنة بقوله : [ ص: 71 ] اخرج منها مذءوما ، وخاطب آدم فقال : ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة أي : اتخذاها لأنفسكما مسكنا فكلا من حيث شئتما ، فكانت الفاء أولى ؛ لأن اتخاذ المسكن لا يستدعي زمانا ممتدا ، ولا يمكن الجمع بين الاتخاذ والأكل فيه ، بل يقع الأكل عقيبه .

وزاد في البقرة : رغدا لما زاد في الخبر تعظيما بقوله : وقلنا ، بخلاف سورة الأعراف ، فإن فيها قال . والخطيب ذهب إلى أن ما في الأعراف خطاب لهما قبل الدخول ، وما في البقرة بعد الدخول .

12 - قوله : اهبطوا منها ، كرر الأمر بالهبوط لأن الأول من الجنة ، والثاني من السماء .

13 - قوله : فمن تبع ، وفي طه : فمن اتبع ، تبع واتبع بمعنى ، وإنما اختار في طه اتبع موافقة لقوله تعالى : يتبعون الداعي .

14 - قوله : ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل قدم الشفاعة في هذه الآية وأخر العدل ، وقدم العدل في الآية الأخرى من هذه السورة وأخر الشفاعة . وإنما قدم الشفاعة قطعا [ ص: 72 ] لطمع من زعم أن آباءهم تشفع لهم ، وأن الأصنام شفعاؤهم عند الله ، وأخرها في الآية الأخرى لأن التقدير في الآيتين معا : لا يقبل منها شفاعة فتنفعها تلك الشفاعة ، لأن النفع بعد القبول ، وقدم العدل في الآية الأخرى ليكون لفظ القبول مقدما فيها .

15 - قوله : يذبحون بغير واو هنا على البدل من ( يسومونكم ) ، وفي الأعراف : يقتلون ، وفي إبراهيم : ويذبحون بالواو ؛ لأن ما في " هذه السورة " و " الأعراف " من كلام الله تعالى ، فلم يرد تعداد المحن عليهم ، والذي في " إبراهيم " من كلام موسى ، فعدد المحن عليهم ، وكان مأمورا بذلك في قوله : وذكرهم بأيام الله .

16 - قوله : ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ههنا ، وفي الأعراف " 160 " . وقال في آل عمران : ولكن أنفسهم يظلمون لأن ما في السورتين إخبار عن قوم ماتوا وانقرضوا ، وما في آل عمران مثل .

17 - قوله : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا بالفاء ، وفي الأعراف " 161 " بالواو ؛ لأن الدخول سريع الانقضاء ، فيتبعه الأكل ، وفي ( الأعراف ) : وإذ قيل لهم اسكنوا [ ص: 73 ] المعنى : أقيموا فيها ، وذلك ممتد ، فذكر بالواو ، أي : اجمعوا بين الأكل والسكون ، وزاد في البقرة : رغدا لأنه سبحانه أسنده إلى ذاته بلفظ التعظم وهو قوله : وإذ قلنا خلاف ما في الأعراف ، فإن فيه : وإذ قيل .

وقدم وادخلوا الباب سجدا على قوله : وقولوا حطة في هذه السورة ، وأخرها في الأعراف ، لأن السابق في هذه السورة ادخلوا فبين كيفية الدخول .

وفي هذه السورة خطاياكم بالإجماع . وفي الأعراف خطيئاتكم مختلف لأن خطايا صيغة الجمع الكثير ، ومغفرتها أليق في الآية بإسناد الفعل إلى نفسه سبحانه .

وفي هذه السورة وسنزيد ، وفي الأعراف سنزيد بغير واو ، لأن اتصالها في هذه السورة أشد ، لاتفاق اللفظين . واختلفا في الإعراب لأن اللائق سنزيد محذوف الواو ليكون استئنافا لكلام .

[ ص: 74 ] وفي هذه السورة فبدل الذين ظلموا قولا . وفي الأعراف ظلموا منهم ، ( لأن في الأعراف ) ومن قوم موسى ، ولقوله : منهم الصالحون ومنهم دون ذلك .

وفي هذه السورة : فأنزلنا على الذين ظلموا ، وفي الأعراف : فأرسلنا ، لأن لفظ الرسول والرسالة كثرت في الأعراف ، فجاء ذلك وفقا لما قبله ، وليس كذلك في سورة البقرة .

18 - قوله : فانفجرت ، وفي الأعراف : فانبجست لأن الانفجار : انصباب الماء بكثرة . والانبجاس : ظهور الماء . وكان في هذه السورة كلوا واشربوا فذكر بلفظ بليغ . وفي الأعراف : كلوا من طيبات ما رزقناكم ، وليس فيه : واشربوا . فلم يبالغ فيه .

19 - قوله : ويقتلون النبيين بغير الحق في هذه السورة ، وفي آل عمران : ويقتلون النبيين بغير حق وفيها وفي النساء : " وقتلهم الأنبياء بغير حق " ، لأن ما في البقرة إشارة إلى الحق الذي أذن الله أن تقتل النفس به ، وهو قوله : ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق فكان الأولى أن يذكر [ ص: 75 ] معرفا ، لأنه من الله تعالى ، وما في آل عمران والنساء نكرة ، أي بغير حق في معتقدهم ودينهم ، فكان هذا بالتنكير أولى . وجمع النبيين جمع السلامة في البقرة لموافقة ما بعده من جمعي السلامة وهو النبيين ، " الصابئين " ، وكذلك في آل عمران : إن الذين ، و ناصرين ، و معرضون . بخلاف " الأنبياء " في السورتين .

20 - قوله : إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ، وقال في الحج : والصابئين والنصارى ، وقال في المائدة : والصابئون والنصارى لأن النصارى مقدمون على الصابئين في الرتبة ، لأنهم أهل كتاب ، فقدمهم في البقرة . والصابئون مقدمون على النصارى في الزمان ، لأنهم كانوا قبلهم ، فقدمهم في الحج . وداعى في المائدة ( بين ) المعنيين ، وقدمهم في اللفظ ، وأخرهم في التقدير ، لأن تقديره : والصابئون كذلك .

قال الشاعر :


فإن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب

[ ص: 76 ] أراد : إني لغريب ، وقيار كذلك . فتأمل فيها وفي أمثالها يظهر لك إعجاز القرآن .

21 - قوله أياما معدودة ، وفي آل عمران : أياما معدودات ، لأن الأصل في الجمع إذا كان واحده مذكرا أن يقتصر في الوصف على التأنيث ، نحو قوله : فيها سرر مرفوعة وأكواب موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة ، وقد يأتي : سرر مرفوعات على تقدير : ثلاث سرر مرفوعة ، وتسع سرر مرفوعات ، إلا أنه ليس بالأصل ، فجاء في البقرة على الأصل ، وفي آل عمران على الفرع . وقوله : في أيام معدودات . أي : في ساعات أيام معدودات ، وكذلك في أيام معلومات .

22 - قوله : فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه ، وفي الجمعة : ولا يتمنونه ، لأن دعواهم في هذه السورة بالغة قاطعة ، وهي كون الجنة ( لهم ) بصفة الخلوص ، فبالغ في الرد عليهم بلن ، وهو أبلغ ألفاظ النفي ، ودعواهم في الجمعة قاصرة مترددة ، وهي زعمهم أنهم أولياء الله ، فاقتصر على ( لا ) .

23 - قوله : بل أكثرهم لا يؤمنون ، وفي غيرها : " لا يعقلون " ، " لا يعلمون " ، لأنهم بين ناقض عهد وجاحد حق ، إلا القليل ، منهم عبد الله بن سلام وأصحابه ، ولم يأت هذان المعنيان معا في غير هذه السورة .

[ ص: 77 ] 24 - قوله : ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ، وفيها أيضا : من بعد ما جاءك من العلم فجعل مكان قول : " الذي " " ما " وزاد في أوله " من " ؛ لأن العلم في الآية الأولى علم بالكمال ، وليس وراءه علم ، لأن معناه : بعد الذي جاءك من العلم بالله وصفاته ؛ وبأن الهدى هدى الله ، ومعناه : بأن دين الله الإسلام ، وأن القرآن كلام الله ، فكان لفظ " الذي " أليق به من لفظ " ما " ؛ لأنه في التعريف أبلغ ، وفي الوصف أقعد ، لأن " الذي " تعرفه صلته فلا يتنكر قط ، وتتقدمه أسماء الإشارة ، نحو قوله : أمن هذا الذي هو جند لكم ، أمن هذا الذي يرزقكم ، فيكتنف " الذي " بيانان : هما الإشارة قبلها ، والصلة بعدها ، ويلزمه الألف واللام ، ويثنى ويجمع ، وليس لـ " ما " شيء من ذلك ، لأنه يتنكر مرة ويتعرف أخرى ، ولا يقع وصفا لأسماء الإشارة ، ولا تدخله الألف واللام ، ولا يثنى ولا يجمع .

وخص الثاني " بما " لأن المعنى : من بعد ما جاءك من العلم بأن قبلة " الله " هي الكعبة ، وذلك قليل من كثير من العلم ، وزيدت معه " من " التي لابتداء الغاية ، لأن تقديره : من الوقت الذي جاءك فيه العلم بالقبلة ، لأن القبلة الأولى نسخت بهذه الآية ، وليست الأولى مؤقتة بوقت .

وقال في سورة الرعد : بعدما جاءك . فعبر بلفظ ما ولم يزد " من " لأن العلم هنا هو : الحكم العربي ، أي : [ ص: 78 ] القرآن . فكان بعضا من الأول ، ولم يزد فيه " من " لأنه غير مؤقت ، وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران : من بعد ما جاءك من العلم فهذا جاء بلفظ ما وزيدت فيه من .

25 - قوله : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا هذه الآية والتي قبلها متكررتان ، وإنما كررت لأن كل واحدة منهما صادفت معصية تقتضي تنبيها ووعظا ؛ لأن كل واحدة وقعت في غير وقت الأخرى . والمعصية الأولى : أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ، والثانية : ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم .

26 - قوله : رب اجعل هذا بلدا آمنا ، وفي إبراهيم : هذا البلد آمنا ، لأن هذا هنا إشارة إلى المذكور في قوله : بواد غير ذي زرع قبل بناء الكعبة ، وفي إبراهيم إشارة إلى البلد بعد الكعبة . فيكون بلدا في هذه السورة المفعول الثاني ، و آمنا صفته ، و هذا البلد في إبراهيم المفعول الأول ، و آمنا المفعول الثاني .

[ ص: 79 ] وقيل : لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة ، وقيل : تقديره في البقرة : البلد بلدا آمنا . فحذف اكتفاء بالإشارة ، فتكون الآيتان سواء .

27 - قوله : وما أنزل إلينا في هذه السورة . وفي آل عمران : علينا ؛ لأن " إلى " للانتهاء إلى الشيء من أي جهة كانت ، والكتب منتهية إلى الأنبياء وإلى أممهم جميعا . والخطاب في هذه السورة لهذه الأمة ؛ لقوله تعالى : قولوا فلم يصح إلا إلى ، و على مختص بجانب الفوق ، وهو مختص بالأنبياء ؛ لأن الكتب منزلة عليهم ، لا شركة للأمة فيها .

وفي آل عمران : قل وهو مختص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - دون أمته ، فكان الذي يليق به " على " .

وزاد في هذه السورة : وما أوتي . وحذف من آل عمران ، لأن في آل عمران قد تقدم ذكر الأنبياء حيث قال : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة .

28 - قوله : ومن حيث خرجت هذه الآية مكررة ثلاث مرات . قيل : إن الأولى لنسخ القبلة ، والثانية للسبب ، وهو قوله : وإنه للحق من ربك ، والثالثة للعلة ، وهو قوله : لئلا يكون للناس عليكم حجة ، وقيل : الأولى في مسجد المدينة ، والثانية خارج المسجد ، والثالثة خارج البلد .

[ ص: 80 ] وقيل : ( في ) الآيات خروجان : خروج إلى مكان ترى فيه القبلة ، وخروج إلى مكان لا ترى ، أي الحالتان فيه سواء .

قلت : ( إنما ) كرر لأن المراد بذلك : الحال ، والمكان ، والزمان . وقلت في الآية الأولى : ومن حيث خرجت وليس فيها "وحيثما كنتم" فجمع في الآية الثالثة بين قوله : حيث خرجت ، و حيثما كنتم ، ليعلم أن النبي والمؤمنين في ذلك سواء .

29 - قوله : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ليس في هذه " من بعد ذلك " . وفي غيرها : من بعد ذلك ؛ لأن قبله هنا : من بعد ما بيناه ، فلو أعاد التبس .

30 - قوله : لآيات لقوم يعقلون خص العقل بالذكر لأن به يتوصل إلى معرفة الآيات . ومثله في الرعد " 4 " ، النحل " 12 " ، والنور " 61 " ، والروم " 24 " .

31 - قوله : ما ألفينا عليه آباءنا في هذه السورة ، وفي المائدة " 104 " ، ولقمان " 21 " : ما وجدنا لأن ألفيت يتعدى إلى مفعولين ، تقول : ألفيت زيدا قائما ، وألفيت عمرا على كذا . ووجدت يتعدى مرة إلى مفعول واحد ، تقول : وجدت الضالة ، ومرة إلى مفعولين ، تقول : وجدت زيدا جالسا . فهو مشترك . فكان الموضع الأول باللفظ الأخص أولى ، لأن غيره إذا وقع موقعه في الثاني والثالث علم أنه بمعناه .

[ ص: 81 ] 32 - قوله : أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ، وفي المائدة : لا يعلمون ، لأن العلم أبلغ درجة من العقل ، ولهذا جاز وصف الله به ، ولم يجز وصفه بالعقل ، فكانت دعواهم في المائدة أبلغ ، لقولهم : حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا فادعوا النهاية بلفظ حسبنا . فنفى ذلك بالعلم وهو النهاية . وقال في البقرة : بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا ، ولم تكن النهاية ، فنفى بما هو دون العلم ؛ لتكون كل دعوى منفية بما يلائمها ، والله أعلم .

33 - قوله : وما أهل به لغير الله . قدم به في هذه السورة ، وأخرها في المائدة " 3 " ، والأنعام " 145 " ، والنحل " 115 " ؛ لأن تقديم الباء الأصل ، فإنها تجري مجرى الهمزة والتشديد في التعدي ، فكانت كحرف من الفعل ، فكان الموضع الأول أولى بما هو الأصل ليعلم ما يقتضيه اللفظ . ثم قدم فيما سواها ما هو المستنكر - وهو الذبح لغير الله - ، وتقديم ما هو الغرض أولى ، ولهذا جاز تقديم المفعول على الفاعل ، والحال على ذي الحال ، والظرف على العامل فيه ، إذا كان ذلك أكثر للغرض في الإخبار .

34 - قوله في هذه السورة : فلا إثم عليه ، وفي السور الثلاث بحذفها ؛ لأنه لما قال في الموضع الأول : فلا إثم عليه صريحا كان نفي الإثم في غيره تضمينا ؛ لأن قوله : [ ص: 82 ] غفور رحيم يدل على أنه لا إثم عليه .

35 - قوله : إن الله غفور رحيم في هذه السورة ، خلاف سورة الأنعام فإن فيها : فإن ربك غفور رحيم لأن لفظ الرب تكرر في الأنعام مرات ، ولأن في الأنعام قوله : وهو الذي أنشأ جنات معروشات الآية . وفيها ذكر الحبوب والثمار ، وأتبعها بذكر الحيوان من الضأن والمعز والإبل ، وبها تربية الأجسام ، فكان ذكر الرب فيها أليق .

36 - قوله : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم الآية في السورة على هذا النسق ، وفي آل عمران : أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم لأن المنكر في هذه السورة أكثر ، فالمتوعد فيها أكثر . وإن شئت قلت : زاد في آل عمران : ولا ينظر إليهم [ ص: 83 ] في مقابلة : ما يأكلون في بطونهم إلا النار .

37 - قوله في آية الوصية : إن الله سميع عليم خص السمع بالذكر لما في الآية من قوله : فمن بدله بعدما سمعه ؛ ليكون مطابقا . وقال في الآية الأخرى بعدها : إن الله غفور رحيم لقوله قبله : فلا إثم عليه فهو مطابق معنى له .

38 - قوله : فمن كان منكم مريضا أو على سفر قيد بقوله : منكم ، وكذلك : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ، ولم يقيد في قوله : ومن كان مريضا أو على سفر ؛ اكتفاء بقوله : فمن شهد منكم الشهر فليصمه لاتصاله به .

39 - قوله : تلك حدود الله فلا تقربوها ، وقال بعده : تلك حدود الله فلا تعتدوها ؛ لأن الحد الأول نهي وهو قوله : ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ، وما كان من الحدود نهيا أمر بترك المقاربة ، والحد الثاني أمر ، وهو بيان عدد الطلاق بخلاف ما كان عليه العرب من المراجعة بعد الطلاق من غير عدد ، وما كان أمرا أمر بترك المجاوزة وهو الاعتداء .

40 - قوله : يسألونك عن الأهلة جميع ما جاء [ ص: 84 ] في القرآن من السؤال وقع عقبه الجواب بغير الفاء ، إلا في قوله : ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي ، فإنه أجيب بالفاء ؛ لأن الأجوبة في الجميع كانت بعد السؤال ، وفي طه قبل ( وقوع ) السؤال ، فكأنه قيل : إن سئلت عن الجبال فقل : ينسفها ربي .

41 - قوله : ويكون الدين لله في هذه السورة ، وفي الأنفال : ويكون الدين كله لله ؛ لأن القتال في هذه السورة مع أهل مكة ، وفي الأنفال مع جميع الكفار ، فقيده بقوله : كله .

42 - قوله : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم . وقال في آل عمران : أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين .

وقال في التوبة : أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم . . . الآية ، الخطيب أطنب في هذه الآيات ، ومحصول كلامه : أن الأول : للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين ، والثاني : للمؤمنين ، والثالث : للمخاطبين جميعا .

43 - قوله : لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة ، وفي آخر السورة : لعلكم تتفكرون ، ومثله في الأنعام ؛ لأنه لما بين في الأول مفعول التفكر وهو قوله : في الدنيا والآخرة حذفه مما بعده للعلم به . وقيل : في متعلقة بقوله : يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون .

[ ص: 85 ] 44 - قوله : ولا تنكحوا المشركات بفتح التاء ، والثاني بضمها ؛ لأن الأول من " نكحت " ، والثاني من " أنكحت " ، وهو يتعدى إلى مفعولين ، والمفعول الأول في الآية المشركين ، والثاني محذوف وهو " المؤمنات " أي : لا تنكحوا المشركين النساء المؤمنات حتى يؤمنوا .

45 - قوله : ولا تمسكوهن أجمعوا على تخفيفه إلا شاذا ، وما في غير هذه السورة قرئ بالوجهين ؛ لأن قبله فأمسكوهن ، وقبل ذلك فإمساك ، فاقتضى ذلك التخفيف .

46 - قوله : ذلك يوعظ به من كان منكم ، وفي الطلاق : ذلكم يوعظ به من كان يؤمن . . . الكاف في ذلك لمجرد الخطاب لا محل له من الإعراب ، فجاز الاختصار على التوحيد ، وجاز إجراؤه على عدد المخاطبين ، ومثله : عفونا عنكم من بعد ذلك ، وقيل : حيث جاء موحدا فالخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وخص بالتوحيد في هذه السورة لقوله : من كان منكم ، وجمع ( في ) الطلاق لما ( لم ) يكن بعده " منكم " .

47 - قوله : فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف .

[ ص: 86 ] وقال في ( الآية ) الأخرى : من معروف ؛ لأن تقدير الأول [ فيما فعلن بأمر الله وهو المعروف ، والثاني ] فيما فعلن في أنفسهن فعلا من أفعالهن معروفا ، أي : جاز فعله شرعا .

قال أبو مسلم حاكيا عن الخطيب : إنما جاء المعروف الأول معرف اللفظ لأن المعنى : بالوجه المعروف من الشرع لهن ، وهو الوجه الذي دل الله عليه وأبانه . والثاني كان وجها من الوجوه التي لهن أن يأتينه ، فأخرج مخرج النكرة لذلك .

قلت : النكرة إذا تكررت صارت معرفة . فإن قيل : كيف يصح ما قلت ، والأول معرفة والثاني نكرة ؟ وما ذهبت إليه يقتضي ضد هذا ، بدليل قوله تعالى : كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول ؟

فالجواب : أن هذه الآية بإجماع من المفسرين مقدمة على تلك الآية في النزول ، وإن وقعت متأخرة في التلاوة . ولهذا نظير في القرآن في موضع آخر أو موضعين ، وقد سبق بيانه . وأجمعوا أيضا على أن هذه الآية منسوخة بتلك الآية ، والمنسوخ سابق على الناسخ ضرورة ، فصح ما ذكرت أن قوله : [ ص: 87 ] بالمعروف ، هو ما ذكر في قوله : من معروف . فتأمل فيه فإن هذا دليل على إعجاز القرآن .

48 - قوله : ولو شاء الله ما اقتتلوا كرر هنا تأكيدا . وقيل : ليس بتكرار ، لأن الأول للجماعة ، والثاني للمؤمنين . وقيل : كرر تكذيبا لمن زعم ( أن ذلك ) لم يكن بمشيئة الله تعالى .

49 - قوله : ويكفر عنكم من سيئاتكم في هذه السورة بزيادة " من " موافقة لما بعدها ؛ لأن بعدها ثلاث آيات فيها " من " على التوالي ، وهي قوله : وما تنفقوا من خير ثلاث مرات .

50 - قوله : فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء . ( يغفر ) مقدم في هذه السورة وغيرها ، إلا في المائدة فإن فيها : يعذب من يشاء ويغفر ؛ لأنها نزلت بعدها في حق السارق والسارقة ، وعذابهما يقع في الدنيا ، فقدم لفظ العذاب . وفي غيرها [ ص: 88 ] ( قدم لفظ ) المغفرة رحمة منه تعالى ، وترغيبا للعباد في المسارعة إلى موجبات المغفرة ، ( جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه ) .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث