الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر وأما بنعمة ربك فحدث

جزء التالي صفحة
السابق

وقد اتفق العلماء : أن الآية شملت في النهي عن أكل أموال اليتامى كل ما فيه إتلاف أو تفويت ، سواء كان بأكل حقيقة ، أو باختلاس ، أو بإحراق ، أو إغراق ، وهو المعروف عند الأصوليين بالإلحاق بنفي الفارق ، إذ لا فرق في ضياع مال اليتيم عليه ، بين كونه بأكل أو إحراق بنار أو إغراق في ماء حتى الإهمال فيه ، فهو تفويت عليه وكل ذلك حفظا لماله .

وأخيرا ، فإذا تم الحفاظ على ماله لم يقربه إلا بالتي هي أحسن ، ولم يبدله بغيره أقل منه ، ولم يخلطه بماله ليأكله عليه ، ولم يعتد عليه بأي إتلاف كان محفوظا له ، إلى أن يذهب يتمه ويثبت رشده ، فيأتي قوله تعالى : وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا [ 4 \ 6 ] .

ثم أحاط دفع المال إليه بموجبات الحفظ بقوله في آخر الآية : فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم [ 4 \ 6 ] أي : حتى لا تكون مناكرة فيما بعد .

وفي الختام ينبه الله فيهم وازع مراقبة الله بقوله : وكفى بالله حسيبا [ 4 \ 6 ] وفيه إشعار بأن أمواله تدفع إليه بعد محاسبة دقيقة فيما له وعليه .

ومهما يكن من دقة الحساب ، فالله سيحاسب عنه ، وكفى بالله حسيبا ، وهذا كله في حفظ ماله .

أما جلب المصالح ، فإننا نجد فيها أولا جعله مع الوالدين والأقربين في عدة [ ص: 566 ] مواطن ، منها قوله تعالى : قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى [ 2 \ 215 ] .

ومنها قوله إيراده في أنواع البر من الإيمان بالله وإنفاق المال : ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين [ 2 \ 177 ] إلى آخر الآية .

ومنها : ما هو أدخل في الموضوع حيث جعل له نصيبا في التركة في قوله : وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه [ 4 \ 8 ] ، بصرف النظر عن مباحث الآية من جهات أخرى ، ومرة أخرى يجعل لهم نصيبا فيما هو أعلى منزلة في قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله [ 8 \ 41 ] .

وكذلك في سورة " الحشر " في قوله تعالى : ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل الآية [ 59 \ 7 ] .

فجعلهم الله مع ذي القربى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقد جعله الله في عموم وصف الأبرار ، وسببا للوصول إلى أعلى درجات النعيم في قوله تعالى : إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا [ 76 \ 5 ] .

وذكر أفعالهم التي منها : " أنهم يوفون بالنذر " [ 76 \ 7 ] ثم بعدها أنهم : " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا " [ 76 \ 8 ] .

وجعل هذا الإطعام اجتياز العقبة في قوله : فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة الآية [ 90 \ 11 - 15 ] .

ولقد وجدنا ما هو أعظم من ذلك ، وهو أن يسوق الله الخضر وموسى - عليهما السلام - ليقيما جدارا ليتيمين على كنز لهما حتى يبلغا أشدهما ، في قوله تعالى : وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري [ 18 \ 82 ] .

[ ص: 567 ] هذا هو الجانب المالي من دفع المضرة عنه في حفظ ماله ، ومن جانب جلب النفع إليه عن طريق المال .

أما الجانب النفسي فكالآتي :

أولا : عدم مساءته في نفسه ، فمنها قوله تعالى : أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين [ 107 \ 1 - 3 ] .

ومنها قوله : كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين [ 89 \ 17 - 18 ] ، فقدم إكرامه إشارة له .

ثانيا : في الإحسان إليه ، منه قوله تعالى : لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى [ 2 \ 83 ] فيحسن إليه كما يحسن لوالديه ولذي القربى .

ومنها سؤال وجوابه من الله تعالى : ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح [ 2 \ 220 ] ، أي : تعاملونهم كما تعاملون الإخوان ، وهذا أعلى درجات الإحسان والمعروف ; ولذا قال تعالى : والله يعلم المفسد من المصلح .

وفي تقديم ذكر المفسد على المصلح : إشعار لشدة التحذير من الإفساد في معاملته ، ولأنه محل التحذير في موطن آخر جعلهم بمنزلة الأولاد في قوله : وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا [ 4 \ 9 ] .

أي : حتى في مخاطبتهم إياهم لأنهم بمنزلة أولادهم ، بل ربما كان لهم أولاد فيما بعد أيتاما من بعدهم ، فكما يخشون على أولادهم إذا صاروا أيتاما من بعدهم ، فليحسنوا معاملة الأيتام في أيديهم ، وهذه غاية درجات العناية والرعاية .

تلك هي نصوص القرآن في حسن معاملة اليتيم وعدم الإساءة إليه ، مما يفصل مجمل قوله : فأما اليتيم فلا تقهر [ 93 \ 9 ] .

لا بكلمة غير سديدة ، ولا بحرمانه من شيء يحتاجه ، ولا بإتلاف ماله ، ولا بالتحيل على أكله وإضاعته ، ولا بشيء بالكلية ، لا في نفسه ولا في ماله .

[ ص: 568 ] والأحاديث من السنة على ذلك عديدة بالغة مبلغها في حقه ، وكان - صلى الله عليه وسلم - أرحم الناس به وأشفقهم عليه ، حتى قال : " أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين " ، يشير إلى السبابة والوسطى وفرج بينهما . رواه البخاري ، وأبو داود ، والترمذي .

وفي رواية أبي هريرة عند مسلم ومالك : " كافل اليتيم له أو لغيره " أي : قريب له ، أو بعيد عنه .

وعند أحمد والطبراني مرفوعا : " من ضم يتيما من بين أبوين مسلمين إلى طعامه وشرابه ، وجبت له الجنة " قال المنذري : رواة أحمد محتج بهم إلا علي بن زيد .

وعند ابن ماجه ، عن أبي هريرة : أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : " خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم ، يحسن إليه . وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه " .

وجاء عند أبي داود ما هو أبعد من هذا وذلك ، حتى إن الأم لتعطل مصالحها من أجل أيتامها ، في قوله - صلى الله عليه وسلم - : " أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة " ، وأومأ بيده يزيد بن زريع - بفتح الزاي وإسكان الياء - بالوسطى والسبابة " امرأة آمت زوجها " - بألف ممدودة وميم مفتوحة وتاء - أصبحت أيما بوفاة زوجها ، ذات منصب وجمال حبست نفسها على يتاماها حتى بانوا أو ماتوا " .

وجعله الله دواء لقساوة القلب ، كما روى أحمد ، ورجاله رجال الصحيح : عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا شكا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسوة قلبه ، فقال : " امسح رأس اليتيم ، وأطعم المسكين " .

وهنا يتجلى سر لطيف في مثالية التشريع الإسلامي ، حيث يخاطب الله تعالى أفضل الخلق وأرحمهم ، وأرأفهم بعباد الله ، الموصوف بقوله تعالى : بالمؤمنين رءوف رحيم [ 9 \ 128 ] وبقوله : وإنك لعلى خلق عظيم [ 68 \ 4 ] ، ليكون مثالا مثاليا في أمة قست قلوبها وغلظت طباعها ، فلا يرحمون ضعيفا ، ولا يؤدون حقا إلا من قوة يدينون لمبدأ : من عز بز ، ومن غلب استلب ، يفاخرون بالظلم ويتهاجون بالأمانة ، كما قال شاعرهم :


قبيلة لا يخفرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل



ويقول حكيمهم :

[ ص: 569 ]

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه     يهدم ومن لم يظلم الناس يظلم



قوم يئدون بناتهم ، ويحرمون من الميراث نساءهم ، وتأكلون التراث أكلا لما ، وتحبون المال حبا ، فقلب مقاييسهم ، وعدل مفاهيمهم ، فألان قلوبهم ورقق طباعهم ، فلانوا مع هذا الضعيف وحفظوا حقه .

وحقيقة هذا التشريع الإلهي الحكيم منذ أربعة عشر قرنا ، تأتي فوق كل ما تتطلع إليه آمال الحضارات الإنسانية كلها ، مما يحقق كمال التكامل الاجتماعي بأبهى معانيه ، المنوه عنه في الآية الكريمة وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا [ 4 \ 9 ] ، فجعل كافل اليتيم اليوم ، إنما يعمل حتى فيما بعد لو ترك ذرية ضعافا ، وعبر هنا عن الأيتام بلازمهم ، وهو الضعف إبرازا لحاجة اليتيم إلى الإحسان ، بسبب ضعفه فيكونون موضع خوفهم عليهم لضعفهم ، فليعاملوا الأيتام تحت أيديهم ، كما يحبون أن يعامل غيرهم أيتامهم من بعدهم .

وهكذا تضع الآية أمامنا تكافلا اجتماعيا في كفالة اليتيم ، بل إن اليتيم نفسه ، فإنه يتيم اليوم ورجل الغد ، فكما تحسن إليه يحسن هو إلى أيتامك من بعدك ، وكما تدين تدان ، فإن كان خيرا كان الخير بالخير والبادئ أكرم ، وإن شرا كان بمثله والبادئ أظلم .

ومع هذا الحق المتبادل ، فإن الإسلام يحث عليه ويعني به ، ورغب في الإحسان إليه وأجزل المثوبة عليه ، وحذر من الإساءة عليه ، وشدد العقوبة فيه .

وقد يكون فيما أوردناه إطالة ، ولكنه وفاء بحق اليتيم أولا ، وتأثر بكثرة ما يلاقيه اليتيم ثانيا .

تنبيه .

ليس من باب الإساءة إلى اليتيم تأديبه والحزم معه ، بل ذلك من مصلحته كما قيل :


قسا ليزدجروا ومن يك حازما     فليقس أحيانا على من يرحم



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث