الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية

المسألة الرابعة : في هذه الآية قولان :

القول الأول : أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ. قالوا : إن الله يمحو من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر ، وهو مذهب عمر وابن مسعود ، والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء ، وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والقول الثاني : أن هذه الآية خاصة في بعض الأشقياء دون البعض ، وعلى هذا التقرير ، ففي الآية وجوه :

الأول : المراد من المحو والإثبات : نسخ الحكم المتقدم وإثبات حكم آخر بدلا عن الأول.

الثاني : أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا سيئة ؛ لأنهم مأمورون بكتابة كل قول وفعل ويثبت غيره ، وطعن أبو بكر الأصم فيه ، فقال : إنه تعالى وصف الكتاب بقوله : ( لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) [الكهف : 49] وقال أيضا : ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) [الزلزلة : 7].

أجاب القاضي عنه : بأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الذنوب ، والمباح لا صغيرة ولا كبيرة ، وللأصم أن يجيب عن هذا الجواب فيقول : إنكم باصطلاحكم خصصتم الصغيرة بالذنب الصغير ، والكبيرة بالذنب الكبير ، وهذا مجرد اصطلاح المتكلمين ، أما في أصل اللغة فالصغير والكبير يتناولان كل فعل وعرض ؛ لأنه إن كان حقيرا فهو صغير ، وإن كان غير ذلك فهو كبير ، وعلى هذا التقرير فقوله : ( لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ) [الكهف : 49] يتناول المباحات أيضا.

الثالث : أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه ، فإذا تاب عنه محي من ديوانه.

الرابع : ( يمحوا الله ما يشاء ) وهو من جاء أجله ، ويدع من لم يجئ أجله ويثبته.

الخامس : أنه تعالى يثبت في أول السنة حكم تلك السنة ، فإذا مضت السنة محيت ، وأثبت كتاب آخر للمستقبل.

السادس : يمحو نور القمر ، ويثبت نور الشمس.

السابع : يمحو الدنيا ويثبت الآخرة.

الثامن : أنه في الأرزاق والمحن والمصائب يثبتها في الكتاب ، ثم يزيلها بالدعاء والصدقة ، وفيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى .

التاسع : تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو ، وما حصل وحضر فهو الإثبات.

العاشر : يزيل ما يشاء ويثبت ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحدا فهو المنفرد بالحكم كما يشاء ، وهو المستقل بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة والإغناء والإفقار بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه.

واعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم.

فإن قال قائل : ألستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جف بها القلم وليس الأمر بأنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو والإثبات؟

قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضا مما جف به القلم ، فلا يمحو إلا ما سبق في علمه وقضائه محوه.

[ ص: 53 ] المسألة الخامسة : قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن يعتقد شيئا ، ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسكوا فيه بقوله : ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت ) .

واعلم أن هذا باطل ؛ لأن علم الله من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول التغير والتبدل فيه محالا.

المسألة السادسة : أما ( أم الكتاب ) فالمراد أصل الكتاب ، والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أما له ، ومنه أم الرأس للدماغ ، وأم القرى لمكة ، وكل مدينة فهي أم لما حولها من القرى ، فكذلك أم الكتاب هو الذي يكون أصلا لجميع الكتب ، وفيه قولان :

القول الأول : أن أم الكتاب هو اللوح المحفوظ ، وجميع حوادث العالم العلوي والعالم السفلي مثبت فيه ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كان الله ولا شيء معه ثم خلق اللوح وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام الساعة قال المتكلمون : الحكمة فيه أن يظهر للملائكة كونه تعالى عالما بجميع المعلومات على سبيل التفصيل ، وعلى هذا التقدير : فعند الله كتابان :

أحدهما : الكتاب الذي يكتبه الملائكة على الخلق ، وذلك الكتاب محل المحو والإثبات.

والكتاب الثاني هو اللوح المحفوظ ، وهو الكتاب المشتمل على تعين جميع الأحوال العلوية والسفلية ، وهو الباقي ، روى أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله سبحانه وتعالى في ثلاث ساعات بقين من الليل ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء . وللحكماء في تفسير هذين الكتابين كلمات عجيبة وأسرار غامضة.

والقول الثاني : أن أم الكتاب هو علم الله تعالى ، فإنه تعالى عالم بجميع المعلومات من الموجودات والمعدومات وإن تغيرت ، إلا أن علم الله تعالى بها باق منزه عن التغير ، فالمراد بأم الكتاب هو ذاك. والله أعلم.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث