الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم

المسألة الثانية : لفظة "من" في قوله : ( سبعا من المثاني ) قال الزجاج فيها وجهان :

أحدهما : أن تكون للتبعيض من القرآن أي : ولقد آتيناك سبع آيات من جملة الآيات التي يثنى بها على الله تعالى ، وآتيناك القرآن العظيم قال : ويجوز أن تكون من صلة ، والمعنى : آتيناك سبعا هي المثاني كما قال ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) [الحج : 30] المعنى : اجتنبوا الأوثان ، لا أن بعضها رجس والله أعلم .

أما قوله تعالى ( لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ) فاعلم أنه تعالى لما عرف رسوله عظم نعمه عليه فيما يتعلق بالدين ، وهو أنه آتاه سبعا من المثاني والقرآن العظيم ، نهاه عن الرغبة في الدنيا فحظر عليه أن يمد عينيه إليها رغبة فيها . وفي مد العين أقوال :

القول الأول : كأنه قيل له : إنك أوتيت القرآن العظيم فلا تشغل سرك وخاطرك بالالتفات إلى الدنيا ومنه [ ص: 167 ] الحديث " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " وقال أبو بكر : من أوتي القرآن فرأى أن أحدا أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد صغر عظيما وعظم صغيرا ، وقيل : وافت من بعض البلاد سبع قوافل ليهود بني قريظة والنضير ، فيها أنواع البز والطيب والجواهر وسائر الأمتعة ، فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ، ولأنفقناها في سبيل الله تعالى ، فقال الله تعالى : لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير من هذه القوافل السبع .

القول الثاني : قال ابن عباس "لا تمدن عينيك" أي : لا تتمن ما فضلنا به أحدا من متاع الدنيا ، وقرر الواحدي هذا المعنى فقال : إنما يكون مادا عينيه إلى الشيء إذا أدام النظر نحوه ، وإدامة النظر إلى الشيء تدل على استحسانه وتمنيه ، وكان صلى الله عليه وسلم لا ينظر إلى ما يستحسن من متاع الدنيا ، وروي أنه نظر إلى نعم بني المصطلق ، وقد عبست في أبوالها وأبعارها ، فتقنع في ثوبه وقرأ هذه الآية . وقوله عبست في أبوالها وأبعارها هو أن تجف أبوالها وأبعارها على أفخاذها إذا تركت من العمل أيام الربيع ، فتكثر شحومها ولحومها وهي أحسن ما تكون .

والقول الثالث : قال بعضهم "ولا تمدن عينيك" أي : لا تحسدن أحدا على ما أوتي من الدنيا قال القاضي : هذا بعيد ; لأن الحسد من كل أحد قبيح ; لأنه إرادة لزوال نعم الغير عنه ، وذلك يجري مجرى الاعتراض على الله تعالى والاستقباح لحكمه وقضائه ، وذلك من كل أحد قبيح ، فكيف يحسن تخصيص الرسول صلى الله عليه وسلم به ؟

أما قوله تعالى : ( أزواجا منهم ) قال ابن قتيبة : أي أصنافا من الكفار ، والزوج في اللغة الصنف ، ثم قال : ( ولا تحزن عليهم ) إن لم يؤمنوا فيقوى بمكانهم الإسلام وينتعش بهم المؤمنون . والحاصل أن قوله : ( لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ) نهي له عن الالتفات إلى أموالهم ، وقوله : ( ولا تحزن عليهم ) نهي له عن الالتفات إليهم ، وأن يحصل لهم في قلبه قدر ووزن .

ثم قال : ( واخفض جناحك للمؤمنين ) الخفض : معناه في اللغة نقيض الرفع ، ومنه قوله تعالى في صفة القيامة : ( خافضة رافعة ) [الواقعة : 3] أي : أنها تخفض أهل المعاصي ، وترفع أهل الطاعات ، فالخفض معناه الوضع . وجناح الإنسان يده ، قال الليث : يدا الإنسان جناحاه ، ومنه قوله : ( واضمم إليك جناحك من الرهب ) [القصص : 32] وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق والتواضع ، والمقصود أنه تعالى لما نهاه عن الالتفات إلى أولئك الأغنياء من الكفار أمره بالتواضع لفقراء المسلمين ، ونظيره قوله تعالى : ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) [المائدة : 54] وقال في صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) [الفتح : 29] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث