الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا

جزء التالي صفحة
السابق

وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لاحظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام..

ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولا بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلا من هذه التقاليد وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه: أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين .. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية: سيقول الذين أشركوا: لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل: هل عندكم من علم فتخرجوه لنا؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون: قل: فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل: هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون .. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم: تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به: عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن والذي لا يجوز الأخذ عن غيره: قل: تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئا.. إلخ " ..

وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره: قل: من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل: هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون . مشيرا هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلا:

قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم [ ص: 1286 ] ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون .. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا ما يدعونه هم وينسبونه إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ...

وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، إنه لا يحب المسرفين ..

وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون! ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم: ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن! ..

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث