الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا

[ ص: 391 ] ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا

عطف على جملة ( يشربون من كأس ) إلخ كما اقتضاه التناسب بين جملة يشربون وجملة ( يطاف عليهم ) في الفعلية والمضارعية ، وذلك من أحسن أحوال الوصل ، عاد الكلام إلى صفة مجالس شرابهم .

وهذه الجملة بيان لما أجمل في جملة ( إن الأبرار يشربون من كأس ) . وإنما عطفت عليها لما فيها من مغايرة مع الجملة المعطوف عليها من صفة آنية الشراب ، فلهذه المناسبة أعقب ذكر مجالس أهل الجنة ومتكآتهم ، بذكر ما يستتبعه مما تعارفه أهل الدنيا من أحوال أهل البذخ والترف واللذات بشرب الخمر إذ يدير عليهم آنية الخمر سقاة . وإذ قد كان ذلك معروفا لم تكن حاجة إلى ذكر فاعل الطواف فبني للنائب .

وهذا وعد لهم بإعطاء متمناهم في الدنيا مع مزيد عليه من نعيم الجنة ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر .

والطواف : مشي مكرر حول شيء أو بين أشياء ، فلما كان أهل المتكأ جماعة كان دوران السقاء بهم طوافا . وقد سموا سقي الخمر : إدارة الخمر أو إدارة الكأس . والساقي : مدير الكأس ، أو مدير الجام أو نحو ذلك .

والآنية : جمع إناء ممدود بوزن أفعلة مثل كساء وأكسية ووعاء وأوعية اجتمع في أول الجمع همزتان مزيدة وأصلية فخففت ثانيتهما ألفا .

والإناء : اسم لكل وعاء يرتفق به ، وقال الراغب : ما يوضع فيه الشيء اهـ . فيظهر أنه يطلق على كل وعاء يقصد للاستعمال والمداولة للأطعمة والأشربة ونحوهما سواء كان من خشب أو معدن أو فخار أو أديم أو زجاج ، يوضع فيه ما يشرب . أو يوكل ، أو يطبخ فيه ، والظاهر أنه لا يطلق على ما يجعل للخزن فليست القربة بإناء ولا الباطية بإناء ، والكأس إناء والكوز إناء والإبريق إناء والصحفة إناء .

والمراد هنا آنية مجالس شرابهم كما يدل عليه ذكر الأكواب وذلك في عموم [ ص: 392 ] الآنية وما يوضع معه من نقل أو شواء أو نحو ذلك كما قال تعالى في آية الزخرف ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ) .

وتشمل الآنية الكؤوس وذكر الآنية بعد كأس من قوله ( إن الأبرار يشربون من كأس ) من ذكر العام بعد الخاص إلا إذا أريد بالكأس الخمر .

والأكواب : جمع كوب بضم الكاف بعده واو ساكنة . والكوب : كوز لا عروة له ولا خرطوم له ، وتقدم في سورة الزخرف .

وعطف أكواب على آنية من عطف الخاص على العام لأن الأكواب تحمل فيها الخمر لإعادة ملء الكؤوس . ووصفت هنا بأنها من فضة ، أي تأتيهم آنيتهم من فضة في بعض الأوقات ومن ذهب في أوقات أخرى كما دل عليه قوله في سورة الزخرف ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب ) لأن للذهب حسنا وللفضة حسنا فجعلت آنيتهم من المعدنين النفيسين لئلا يفوتهم ما في كل من الحسن والجمال ، أو يطاف عليهم بآنية من فضة وآنية من ذهب متنوعة متزاوجة لأن ذلك أبهج منظرا مثل ما قال مرة ( وحلوا أساور من فضة ) ، ومرة ( يحلون فيها من أساور من ذهب ) وذلك لإدخال المسرة على أنفسهم بحسن المناظر فإنهم كانوا يتمنونها في الدنيا لعزة وجودها أو وجود الكثير منها ، وأوثر ذكر آنية الفضة هنا لمناسبة تشبيهها بالقوارير في البياض .

والقوارير : جمع قارورة ، وأصل القارورة إناء شبه كوز ، قيل : لا تسمى قارورة إلا إذا كانت من زجاج ، وقيل مطلقا وهو الذي ابتدأ به صاحب القاموس .

وسميت قارورة اشتقاقا من القرار وهو المكث في المكان وهذا وزن غريب .

والغالب أن اسم القارورة للإناء من الزجاج ، وقد يطلق على ما كان من زجاج وإن لم يكن إناء كما في قوله تعالى ( قال إنه صرح ممرد من قوارير ) وقد فسر قوله ( قواريرا ) في هذه الآية بأنها شبيهة بالقوارير في صفاء اللون والرقة حتى كأنها تشف عما فيها .

والتنافس في رقة آنية الخمر معروف عند شاربيها قال الأعشى :


تريك القذى من دونها وهي دونه إذا ذاقها من ذاقها يتـمـطـق

[ ص: 393 ] وفعل ( كانت ) هنا تشبيه بليغ ، والمعنى : إنها مثل القوارير في شفيفها ، وقرينة ذلك قوله ( من فضة ) ، أي هي من جنس الفضة في لون القوارير لأن قوله ( من فضة ) حقيقة فإنه قال قبله ( بآنية من فضة ) .

ولفظ ( قواريرا ) الثاني ، يجوز أن يكون تأكيدا لفظيا لنظيره لزيادة تحقيق أن لها رقة الزجاج فيكون الوقف على ( قواريرا ) الأول .

ويجوز أن يكون تكريرا لإفادة التصنيف فإن حسن التنسيق في آنية الشراب من مكملات رونق مجلسه ، فيكون التكرير مثل ما في قوله تعالى : ( والملك صفا صفا ) وقول الناس : قرأت الكتاب بابا بابا فيكون الوقف على ( قواريرا ) الثاني .

وكتب في المصحف ( قواريرا قواريرا ) بألف في آخر كلتا الكلمتين التي هي علامة تنوين .

وقرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر ( قواريرا ) الأول والثاني منونين وتنوين الأول لمراعاة الكلمات الواقعة في الفواصل السابقة واللاحقة من قوله ( كافورا ) إلى قوله ( تقديرا ) وتنوين الثاني للمزاوجة مع نظيره وهؤلاء وقفوا عليهما بالألف مثل أخواتهما وقد تقدم نظيره في قوله تعالى ( سلاسلا وأغلالا ) .

وقرأ ابن كثير وخلف ورويس عن يعقوب ( قواريرا ) الأول بالتنوين ووقفوا عليه بالألف وهو جار على التوجيه الذي وجهنا به قراءة نافع والكسائي . وقرءا ( قواريرا ) الثاني بغير تنوين على الأصل ولم تراع المزاوجة ووقفا عليه بالسكون .

وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وحمزة وحفص عن عاصم بترك التنوين فيهما لمنع الصرف وعدم مراعاة الفواصل ولا المزاوجة .

والقراءات رواية متواترة لا يناكدها رسم المصحف فلعل الذين كتبوا المصاحف لم تبلغهم إلا قراءة أهل المدينة .

وحدث خلف عن يحيى بن آدم عن ابن إدريس قال في المصاحف الأول ثبت ( قواريرا ) الأول بالألف والثاني بغير ألف ، يعني المصاحف التي في الكوفة فإن عبد الله بن إدريس كوفي . وقال أبو عبيد : رأيت في مصحف عثمان ( قواريرا ) الأول بالألف وكان الثاني مكتوبا بالألف فحكت فرأيت أثرها هناك [ ص: 394 ] بينا . وهذا كلام لا يفيد ؛ إذ لو صح لما كان يعرف من الذي كتبه بالألف ، ولا من الذي محا الألف ولا متى كان ذلك فيما بين زمن كتابة المصاحف وزمن أبي عبيد ، ولا يدرى ماذا عني بمصحف عثمان أهو مصحفه الذي اختص به أم هو مصحف من المصاحف التي نسخت في خلافته ووزعها على الأمصار ؟ .

وقرأ يعقوب بغير تنوين فيهما في الوصل .

وأما في الوقف فحمزة وقف عليهما بدون ألف . وهشام عن ابن عامر وقفا عليهما بالألف على أنه صلة للفتحة ، أي إشباع للفتحة ووقف أبو عمرو وحفص وابن ذكوان عن ابن عامر ورويس عن يعقوب على الأول بالألف وعلى الثاني بدون ألف ووجهه ما وجهت به قراءة ابن كثير وخلف .

وقوله ( قدروها تقديرا ) يجوز أن يكون ضمير الجمع عائدا إلى الأبرار أو ( عباد الله ) الذي عادت إليه الضمائر المتقدمة في قوله " يفجرونها " و " يوفون " إلى آخر الضمائر فيكون معنى التقدير رغبتهم أن تجيء على وفق ما يشتهون .

ويجوز أن يكون الضمير عائدا إلى نائب الفاعل المحذوف المفهوم من بناء ( يطاف ) للنائب ، أي الطائفون عليهم بها قدروا الآنية والأكواب ، أي قدروا ما فيها من الشراب على حسب ما يطلبه كل شارب منهم ومآله إلى معنى الاحتمال الأول . وكان مما يعد في العادة من حذق الساقي أن يعطي كل أحد من الشرب ما يناسب رغبته .

و ( تقديرا ) مفعول مطلق مؤكد لعامله للدلالة على وفاء التقدير وعدم تجاوزه المطلوب ولا تقصيره عنه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث