الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله

المسألة الثالثة : ذكروا في سبب النزول وجوها .

قيل : إنها نزلت في أهل مكة فإنهم قالوا : يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس لم يغفر له ، وقد عبدنا وقتلنا فكيف نسلم؟ .

وقيل : نزلت في وحشي قاتل حمزة لما أراد أن يسلم وخاف أن لا تقبل توبته ، فلما نزلت الآية أسلم ، فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال : بل للمسلمين عامة .

وقيل : نزلت في أناس أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية ، فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لا يقبل الله توبتهم .

وقيل : نزلت في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين أسلموا ثم فتنوا فافتتنوا ، وكان المسلمون يقولون فيهم : لا يقبل الله منهم توبتهم . فنزلت هذه الآيات ، فكتبها عمر وبعث بها إليهم فأسلموا وهاجروا ، واعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فنزول هذه الآيات في هذه الوقائع لا يمنع من عمومها .

المسألة الرابعة : قرأ نافع وابن كثير وابن عامر وعاصم ( ياعبادي ) بفتح الياء والباقون ، وعاصم في بعض الروايات بغير فتح ، وكلهم يقفون عليه بإثبات الياء ; لأنها ثابتة في المصحف ، إلا في بعض رواية أبي بكر عن عاصم فإنه يقف بغير ياء ، وقرأ أبو عمرو والكسائي "تقنطوا" بكسر النون والباقون بفتحها وهما لغتان ، قال صاحب "الكشاف" : وفي قراءة ابن عباس وابن مسعود " يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء "

ثم قال تعالى : ( وأنيبوا إلى ربكم ) قال صاحب "الكشاف" : أي وتوبوا إليه ( وأسلموا له ) أي وأخلصوا له العمل ، وإنما ذكر الإنابة على أثر المغفرة ; لئلا يطمع طامع في حصولها بغير توبة ، وللدلالة على أنها شرط فيها لازم لا تحصل بدونه ، وأقول : هذا الكلام ضعيف جدا ; لأن عندنا التوبة عن المعاصي واجبة ، فلم يلزم من ورود الأمر بها طعن في الوعد بالمغفرة ، فإن قالوا : لو كان الوعد بالمغفرة حاصلا قطعا لما احتيج إلى التوبة ; لأن التوبة إنما تراد لإسقاط العقاب ، فإذا سقط العقاب بعفو الله عنه فلا حاجة إلى التوبة ، فنقول : هذا ضعيف لأن [ ص: 6 ] مذهبنا أنه تعالى وإن كان يغفر الذنوب قطعا ويعفو عنها قطعا إلا أن هذا العفو والغفران يقع على وجهين : تارة يقع ابتداء وتارة يعذب مدة في النار ثم يخرجه من النار ويعفو عنه ، ففائدة التوبة إزالة هذا العقاب ، فثبت أن الذي قاله صاحب "الكشاف" ضعيف ولا فائدة فيه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث