الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به

واعلم أن العقل يدل أيضا على رعاية هذا الترتيب ، وذلك أن ذكر الله بالثناء والتعظيم بالنسبة إلى جوهر الروح كالإكسير الأعظم بالنسبة إلى النحاس ، فكما أن ذرة من الإكسير إذا وقعت على عالم من النحاس انقلب الكل ذهبا إبريزا ، فكذلك إذا وقعت ذرة من إكسير معرفة جلال الله تعالى على جوهر الروح النطقية ، انقلب من نحوسة النحاسة إلى صفاء القدس وبقاء عالم الطهارة ، فثبت أن عند إشراق نور معرفة الله تعالى في جواهر الروح ، يصير الروح أقوى صفاء وأكمل إشراقا ، ومتى صار كذلك كانت قوته أقوى وتأثيره أكمل ، فكان حصول الشيء المطلوب بالدعاء أقرب وأكمل ، وهذا هو السبب في تقديم الثناء على الله على الدعاء .

المسألة الثالثة : اعلم أن الملائكة وصفوا الله تعالى بثلاثة أنواع من الصفات : الربوبية والرحمة والعلم ، أما الربوبية فهي إشارة إلى الإيجاد والإبداع ، وفيه لطيفة أخرى وهي أن قولهم : ( ربنا ) إشارة إلى التربية ، والتربية عبارة عن إبقاء الشيء على أكمل أحواله وأحسن صفاته ، وهذا يدل على أن هذه الممكنات ، كما أنها محتاجة حال حدوثها إلى إحداث الحق سبحانه وتعالى وإيجاده ، فكذلك إنها محتاجة حال بقائها إلى إبقاء الله ، وأما الرحمة فهي إشارة إلى أن جانب الخير والرحمة والإحسان راجح على جانب الضر ، وأنه تعالى إنما خلق الخلق للرحمة والخير ، لا للإضرار والشر ، فإن قيل : قوله : ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) فيه سؤال ; لأن العلم وسع كل شيء ، أما الرحمة فما وصلت إلى كل شيء ; لأن المضرور حال وقوعه في الضر ، لا يكون ذلك الضرر رحمة ، وهذا السؤال أيضا مذكور في قوله : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) قلنا : كل وجود فقد نال من رحمة الله تعالى نصيبا ; وذلك لأن الموجود إما واجب وإما ممكن ، أما الواجب فليس إلا الله سبحانه وتعالى ، وأما الممكن فوجوده من الله تعالى وبإيجاده ، وذلك رحمة ، فثبت أنه لا موجود غير الله إلا وقد وصل إليه نصيب ونصاب من رحمة الله ، فلهذا قال : ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) وفي الآية دقيقة أخرى ، وهي أن الملائكة قدموا ذكر الرحمة على ذكر العلم فقالوا : ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) وذلك لأن مطلوبهم إيصال الرحمة وأن يتجاوز عما علمه منهم من أنواع الذنوب ، فالمطلوب بالذات هو الرحمة ، والمطلوب بالعرض أن يتجاوز عما علمه منهم ، والمطلوب بالذات مقدم على [ ص: 33 ] المطلوب بالعرض ، ألا ترى أنه لما كان إبقاء الصحة مطلوبا بالذات وإزالة المرض مطلوبا بالعرض ، لا جرم لما ذكروا حد الطب قدموا فيه حفظ الصحة على إزالة المرض ، فقالوا : الطب علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصلح ويزول عن الصحة لتحفظ الصحة حاصلة وتسترد زائلة ، فكذا هاهنا المطلوب بالذات هو الرحمة ، وأما التجاوز عما علمه منهم من أنواع الذنوب فهو مطلوب بالعرض ; لأجل أن حصول الرحمة على سبيل الكمال لا يحصل إلا بالتجاوز عن الذنوب ، فلهذا السبب وقع ذكر الرحمة سابقا على ذكر العلم .

المسألة الرابعة : دلت هذه الآية على أن المقصود بالقصة الأولى في الخلق والتكوين إنما هو الرحمة والفضل والجود والكرم ، ودلت الدلائل اليقينية على أن كل ما دخل في الوجود من أنواع الخير والشر والسعادة والشقاوة فبقضاء الله وقدره ، والجمع بين هذين الأصلين في غاية الصعوبة ، فعند هذا قالت الحكماء : الخير مراد مرضي ، والشر مراد مكروه ، والخير مقضي به بالذات ، والشر مقضي به بالعرض ، وفيه غور عظيم .

المسألة الخامسة : قوله : ( وسعت كل شيء رحمة وعلما ) يدل على كونه سبحانه عالما بجميع المعلومات التي لا نهاية لها من الكليات والجزئيات ، وأيضا فلولا ذلك لم يكن في الدعاء والتضرع فائدة ; لأنه إذا جاز أن يخرج عن علمه بعض الأشياء ، فعلى هذا التقدير لا يعرف هذا الداعي أن الله سبحانه يعلمه ويعلم دعاءه ، وعلى هذا التقدير لا يبقى في الدعاء فائدة البتة .

واعلم أنه تعالى لما حكى عنهم كيفية ثنائهم على الله تعالى حكى عنهم كيفية دعائهم ، وهو أنهم قالوا : ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ) واعلم أن الملائكة طلبوا بالدعاء من الله تعالى أشياء كثيرة للمؤمنين ، فالمطلوب الأول الغفران ، وقد سبق تفسيره في قوله : ( فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ) فإن قيل : لا معنى للغفران إلا إسقاط العذاب ، وعلى هذا التقدير فلا فرق بين قوله : فاغفر لهم ، وبين قوله : ( وقهم عذاب الجحيم ) قلنا : دلالة لفظ المغفرة على إسقاط عذاب الجحيم دلالة حاصلة على الرمز والإشارة ، فلما ذكروا هذا الدعاء على سبيل الرمز والإشارة أردفوه بذكره على سبيل التصريح لأجل التأكيد والمبالغة ، واعلم أنهم لما طلبوا من الله إزالة العذاب عنهم أردفوه بأن طلبوا من الله إيصال الثواب إليهم فقالوا : ( ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ) فإن قيل : أنتم زعمتم أن هذه الشفاعة إنما حصلت للمذنبين وهذه الآية تبطل ذلك ; لأنه تعالى ما وعد المذنبين بأن يدخلهم في جنات عدن ، قلنا : لا نسلم أنه ما وعدهم بذلك ; لأنا بينا أن الدلائل الكثيرة في القرآن دلت على أنه تعالى لا يخلد أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله في النار ، وإذا أخرجهم من النار وجب أن يدخلهم الجنة ، فكان هذا وعدا من الله تعالى لهم بأن يدخلهم في جنات عدن ، إما من غير دخول النار وإما بعد أن يدخلهم النار . قال تعالى : ( ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ) يعني وأدخل معهم في الجنة هؤلاء الطوائف الثلاث ، وهم الصالحون من الآباء والأزواج والذريات ، وذلك لأن الرجل إذا حضر معه في وضع عيشه وسروره أهله وعشيرته كان ابتهاجه أكمل ، قال الفراء والزجاج : "من صلح" نصب من مكانين فإن شئت رددته على الضمير في قوله : ( وأدخلهم ) وإن شئت في ( وعدتهم ) والمراد من قوله : ( ومن صلح ) أهل الإيمان .

ثم قالوا : ( إنك أنت العزيز الحكيم ) وإنما ذكروا في دعائهم هذين الوصفين ; لأنه لو لم يكن عزيزا بل كان بحيث يغلب ويمنع لما [ ص: 34 ] صح وقوع المطلوب منه ، ولو لم يكن حكيما لما حصل هذا المطلوب على وفق الحكمة والمصلحة ، ثم قالوا بعد ذلك : ( وقهم السيئات ) قال بعضهم : المراد وقهم عذاب السيئات ، فإن قيل : فعلى هذا التقدير لا فرق بين قوله : ( وقهم السيئات ) وبين ما تقدم من قوله : ( وقهم عذاب الجحيم ) وحينئذ يلزم التكرار الخالي عن الفائدة ، وإنه لا يجوز ، قلنا : بل التفاوت حاصل من وجهين ; الأول : أن يكون قوله : ( وقهم عذاب الجحيم ) دعاء مذكورا للأصول وقوله : ( وقهم السيئات ) دعاء مذكورا للفروع . الثاني : أن يكون قوله : ( وقهم عذاب الجحيم ) مقصورا على إزالة الجحيم وقوله : ( وقهم السيئات ) يتناول عذاب الجحيم وعذاب موقف القيامة وعذاب الحساب والسؤال .

والقول الثاني في تفسير قوله : ( وقهم السيئات ) هو أن الملائكة طلبوا إزالة عذاب النار بقولهم : ( وقهم عذاب الجحيم ) وطلبوا إيصال ثواب الجنة إليهم بقولهم : ( وأدخلهم جنات عدن ) ثم طلبوا بعد ذلك أن يصونهم الله تعالى في الدنيا عن العقائد الفاسدة والأعمال الفاسدة ، وهو المراد بقولهم : ( وقهم السيئات ) ثم قالوا : ( ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته ) يعني ومن تق السيئات في الدنيا فقد رحمته في يوم القيامة ، ثم قالوا : ( وذلك هو الفوز العظيم ) حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيما لا ينقطع ، وبأعمال حقيرة ملكا لا تصل العقول إلى كنه جلالته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث