الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم

أما قوله : إن هذا كلام الكفار فلا يكون حجة ، قلنا : لما ذكروا ذلك لم يكذبهم الله تعالى ; إذ لو كانوا كاذبين لأظهر الله تكذيبهم ، ألا ترى أنهم لما كذبوا في قولهم : ( والله ربنا ما كنا مشركين ) [الأنعام : 23] كذبهم الله في ذلك فقال : ( انظر كيف كذبوا ) [الأنعام : 24] . وأما قوله : ظاهر الآية يمنع من إثبات حياة في القبر ; إذ لو حصلت هذه الحياة لكان عدد الحياة ثلاث مرات لا مرتين ، فنقول : الجواب عنه من وجوه :

الأول : هو أن مقصودهم تعديد أوقات البلاء والمحنة وهي أربعة : الموتة الأولى ، والحياة في القبر ، والموتة الثانية ، والحياة في القيامة ، فهذه الأربعة أوقات البلاء والمحنة ، فأما الحياة في الدنيا فليست من أقسام أوقات البلاء والمحنة ; فلهذا السبب لم يذكروها .

الثاني : لعلهم ذكروا الحياتين ; وهي الحياة في الدنيا ، والحياة في القيامة ، أما الحياة في القبر فأهملوا ذكرها لقلة وجودها وقصر مدتها .

الثالث : لعلهم لما صاروا أحياء في القبور لم يموتوا بل بقوا أحياء ، إما في السعادة ، وإما في الشقاوة ، واتصل بها حياة القيامة فكانوا من جملة من أرادهم الله بالاستثناء في قوله : ( فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) [الزمر : 68] .

الرابع : لو لم نثبت الحياة في القبر لزم أن لا يحصل الموت إلا مرة واحدة فكان إثبات الموت مرتين كذبا وهو على خلاف لفظ القرآن ، أما لو أثبتنا الحياة في القبر لزمنا إثبات الحياة ثلاث مرات ، والمذكور في القرآن [ ص: 37 ] مرتين ، أما المرة الثالثة فليس في اللفظ ما يدل على ثبوتها أو عدمها ، فثبت أن نفي حياة القبر يقتضي ترك ما دل اللفظ عليه ، فأما إثبات حياة القبر فإنه يقتضي إثبات شيء زائد على ما دل عليه اللفظ مع أن اللفظ لا إشعار فيه بثبوته ولا بعدمه ، فكان هذا أولى ، وأما ما ذكروه في المعارضة الأولى فنقول : قوله : ( يحذر الآخرة ) تدخل فيه الحياة الآخرة سواء كانت في القبر أو في القيامة ، وأما المعارضة الثانية فجوابها أنا نرجح قولنا بالأحاديث الصحيحة الواردة في عذاب القبر .

وأما الوجهان العقليان فمدفوعان ; لأنا إذا قلنا : إن الإنسان ليس عبارة عن هذا الهيكل بل هو عبارة عن جسم نوراني سار في هذا البدن ، كانت الإشكالات التي ذكرتموها غير واردة في هذا الباب . والله أعلم .

المسألة الثانية : اعلم أنا لما أثبتنا حياة القبر فيكون الحاصل في حق بعضهم أربعة أنواع من الحياة وثلاثة أنواع من الموت ، والدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة : ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ) [البقرة : 243] فهؤلاء أربع مراتب في الحياة ، حياتان في الدنيا ، وحياة في القبر ، وحياة رابعة في القيامة .

المسألة الثالثة : قوله : ( اثنتين ) نعت لمصدر محذوف والتقدير إماتتين اثنتين .

ثم حكى الله عنهم أنهم قالوا : ( فاعترفنا بذنوبنا ) فإن قيل : الفاء في قوله ( فاعترفنا ) تقتضي أن تكون الإماتة مرتين والإحياء مرتين سببا لهذا الاعتراف فبينوا هذه السببية ، قلنا : لأنهم كانوا منكرين للبعث فلما شاهدوا الإحياء بعد الإماتة مرتين لم يبق لهم عذر في الإقرار بالبعث ، فلا جرم وقع هذا الإقرار كالمسبب عن ذلك الإحياء وتلك الإماتة ، ثم قال : ( فهل إلى خروج من سبيل ) أي هل إلى نوع من الخروج سريع أو بطيء من سبيل ، أم اليأس وقع فلا خروج ، ولا سبيل إليه؟ وهذا كلام من غلب عليه اليأس والقنوط ، واعلم أن الجواب الصريح عنه أن يقال : لا أو نعم ، وهو تعالى لم يفعل ذلك بل ذكر كلاما يدل على أنه لا سبيل لهم إلى الخروج فقال : ( ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا ) أي ذلكم الذي أنتم فيه ، وهو أن لا سبيل لكم إلى الخروج قط ، إنما وقع بسبب كفركم بتوحيد الله تعالى ، وإيمانكم بالإشراك به ( فالحكم لله ) حيث حكم عليكم بالعذاب السرمدي ، وقوله : ( العلي الكبير ) دلالة على الكبرياء والعظمة ، وعلى أن عقابه لا يكون إلا كذلك ، والمشبهة استدلوا بقوله تعالى : ( العلي ) على العلو الأعلى في الجهة ، وبقوله : ( الكبير ) على كبر الجثة والذات ، وكل ذلك باطل ; لأنا دللنا على أن الجسمية والمكان محالان في حق الله تعالى ، فوجب أن يكون المراد من ( العلي الكبير ) العلو والكبرياء بحسب القدرة والإلهية .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث