الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى والسماء ذات الحبك

والسماء ذات الحبك أي الطرق جمع حبيكة كطريقة ، أو حباك كمثال ومثل ، ويقال : حبك الماء للتكسر الجاري فيه إذ مرت عليه الريح ، وعليه قول زهير يصف غديرا :


مكلل بأصول النجم تنسـجـه ريح خريق لضاحي مائه حبك



وحبك الشعر لآثار تثنيه وتكسره ، وتفسيرها بذلك مروى عن مقاتل والكلبي والضحاك ، والمراد بها إما الطرق المحسوسة التي تسير فيها الكواكب ، أو المعقولة التي تدرك بالبصيرة وهي ما تدل على وحدة الصانع وقدرته وعلمه وحكمته جل شأنه إذا تأملها الناظر ، وقال ابن عباس وقتادة وعكرمة ومجاهد والربيع : ذات الخلق المستوي الجيد ، وفي رواية أخرى عن مجاهد المتقنة البنيان ، وقيل : ذات الصفاقة وهي أقوال متقاربة وكأن الحبك عليها من قولهم :

حبكت الشيء أحكمته وأحسنت عمله وحبكت العقدة أوثقتها ، وفرس محبوك المعاقم - وهي المفاصل - أي محكمها ، وفي الكشف أصل الحباكة الصفاقة وجودة الأثر ، وعن الحسن - حبكها - نجومها ، والظاهر أن إطلاق الحبك على النجوم مجاز لأنها تزين السماء كما يزين الثوب الموشى حبكه وطرائق وشيه فكأنه قيل : ذات النجوم التي هي كالحبك أي الطرائق في التزيين ، واستظهر في السماء أنه جنس أريد به جميع السماوات وكون كل واحدة منها ذات حبك بمعنى مستوية الخلق جيدته ، أو متقنة البنيان أو صفيقة ، أو ذات طرق معقولة ظاهر ، وأما كون كل منها كذلك بمعنى ذات طرق محسوسة فباعتبار أن الكواكب في أي سماء كانت تسير مسامتة لسائر السماوات ، فممراتها باعتبار المسامتة طرق ، وبمعنى ذات النجوم فباعتبار أن النجوم في أي سماء كانت تشاهد في سائر السماوات بناء على أن السماوات شفافة لا يحجب كل منها إدراك ما وراءه ، وأخرج ابن منيع عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال : هي السماء السابعة ، وعن عبد الله بن عمرو مثله فتدبر ولا تغفل.

وقرأ ابن عباس والحسن بخلاف عنه وأبو مالك الغفاري وأبو حيوة وابن أبي عبلة وأبو السمال [ ص: 5 ] ونعيم عن أبي عمرو «الحبك » بإسكان الباء على زنة القفل ، وعكرمة بفتحها جمع حبكة مثل طرفة وطرف وبرقة وبرق ، وأبو مالك الغفاري والحسن بخلاف عنه أيضا بكسر الحاء والباء - كالإبل - وهو على ما ذكر الخفاجي اسم مفرد ورد على هذا الوزن شذوذا وليس جمعا ، وأبو مالك والحسن وأبو حيوة أيضا بكسر الحاء وإسكان الباء - كالسلك - وهو تخفيف فعل مكسور الفاء والعين وهو اسم مفرد لا جمع لأن فعلا ليس من أبنية الجموع - قاله في البحر - وابن عباس وأبو مالك أيضا بفتحهما - كالجبل - قال أبو الفضل الرازي : فهو جمع حبكة مثل عقبة وعقب ، والحسن أيضا بكسر الحاء وفتح الباء كالنعم ، وأبو مالك أيضا بكسر الحاء وضم الباء وذكرها ابن عطية عن الحسن أيضا ثم قال : هي قراءة شاذة غير متوجهة وكأنه بعد أن كسر الحاء توهم قراءة الجمهور فضم التاء وهذا من تداخل اللغات وليس في كلام العرب هذا البناء أي لأن فيه الانتقال من خفة إلى ثقل على عكس ضرب مبنيا للمفعول ، وقال صاحب اللوامح : هو عديم النظير في العربية في أبنيتها وأوزانها ولا أدري ما وراءه انتهى .

وعلى التداخل تأول النحاة هذه القراءة ، وقال أبو حيان : الأحسن عندي أن يكون ذلك مما أتبع فيه حركة الحاء لحركة تاء ( ذات ) في الكسر ولم يعتد باللام الساكنة لأن الساكن حاجز غير حصين .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث