الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الفصل السابع : الدنو ، والقرب

وأما ما ورد في حديث الإسراء ، وظاهر الآية من الدنو ، والقرب من قوله : دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى [ النجم : 8 ] فأكثر المفسرين أن الدنو ، والتدلي منقسم ما بين محمد ، وجبريل - عليهما السلام - ، أو مختص بأحدهما من الآخر ، أو من السدرة المنتهى .

قال الرازي : وقال ابن عباس : هو محمد دنا فتدلى من ربه .

وقيل : معنى دنا قرب ، وتدلى زاد في القرب ، وقيل : هما بمعنى ، واحد ، أي قرب .

وحكى مكي ، والماوردي - عن ابن عباس : هو الرب دنا من محمد ، فتدلى إليه ، أي أمره ، وحكمه .

[ ص: 243 ] وحكى النقاش عن الحسن ، قال : دنا من عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فتدلى ، فقرب منه ، فأراه ما شاء أن يريه من قدرته ، وعظمته .

قال : وقال ابن عباس : هو مقدم ، ومؤخر : تدلى الرفرف لمحمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج ، فجلس عليه ، ثم رفع فدنا من ربه .

قال : فارقني جبريل ، وانقطعت عني الأصوات ، وسمعت كلام ربي عز وجل .

وعن أنس في الصحيح : عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة ، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليه بما شاء ، وأوحى إليه خمسين صلاة . . . وذكر حديث الإسراء .

وعن محمد بن كعب : هو محمد دنا من ربه ، فكان كقاب قوسين .

وقال جعفر بن محمد : أدناه ربه منه حتى كان منه كقاب قوسين .

وقال جعفر بن محمد : والدنو من الله لا حد له ، ومن العباد بالحدود .

وقال أيضا : انقطعت الكيفية عن الدنو ، ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه ، ودنا محمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة ، والإيمان فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه ، وزال عن قلبه الشك ، والارتياب .

قال القاضي أبو الفضل - : اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو ، والقرب هنا من الله ، أو إلى الله - فليس بدنو مكان ولا قرب مدى ، بل كما ذكرنا - عن جعفر الصادق : ليس بدنو حد ، وإنما دنو النبي - صلى الله عليه وسلم - من ربه ، وقربه منه إبانة عظيم منزلته ، وتشريف رتبته ، وإشراق أنوار معرفته ، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته ، ومن الله - تعالى - له مبرة ، وتأنيس وبسط وإكرام ، ويتأول فيه ما يتأول في قوله : ينزل ربنا إلى السماء الدنيا على أحد الوجوه : نزول إفضال ، وإجمال ، وقبول ، وإحسان .

قال الواسطي : من توهم أنه بنفسه جعل ثم مسافة ، بل كلما دنا بنفسه من الحق تدلى [ ص: 244 ] بعدا يغني عن درك حقيقته ، إذ لا دنو للحق ، ولا بعد . وقوله : قاب قوسين أو أدنى فمن جعل الضمير عائدا إلى الله ، لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والإشراف على الحقيقة من محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وعبارة عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، وإظهار التحفي وإنافة المنزل ، والمرتبة من الله له .

ويتأول فيه ما يتأول في قوله : من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة قرب بالإجابة والقبول ، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث