الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله

وقوله تعالى : لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله قيل : متعلق بمضمون الجملة الطلبية المتضمنة لمعنى الشرط إذ التقدير إن تتقوا الله وتؤمنوا برسوله يؤتكم كذا وكذا لئلا إلخ ، وقيل : متعلق بالأفعال الثلاثة قبله على التنازع ، أو بمقدر كفعل ذلك وأعلمهم ونحوه و (لا) مزيدة مثلها في قوله تعالى : ما منعك ألا تسجد [الأعراف : 12] ويجوز زيادتها مع القرينة كثيرا و (أن ) مخففة من الثقيلة واسمها المحذوف ضمير أهل الكتاب أي إنهم ، وقيل : ضمير الشأن وما بعد خبرها والجملة في حيز النصب على أنها مفعول يعلم أي ليعلم أهل الكتاب القائلون من آمن بكتابكم منا فله أجران ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم أنهم لا ينالون شيئا من فضل الله من الأجرين وغيرهما ولا يتمكنون من نيله ما لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحاصله الإعلام بأن إيمانهم بنبيهم لا ينفعهم شيئا ما لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام فقولهم : من لم يؤمن بكتابكم فله أجر باطل .

[ ص: 194 ] وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال : لما نزلت أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا [القصص : 54] فخر مؤمنو أهل الكتاب على أصحاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالوا : لنا أجران ولكم أجر فاشتد ذلك على أصحابه عليه الصلاة والسلام فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إلخ فجعل لهم سبحانه أجرين مثل ما لمؤمني أهل الكتاب ، وقال الثعلبي : فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله الآية فجعل لهم أجرين وزادهم النور ثم قال سبحانه : لئلا يعلم إلخ ، وحاصله على هذا ليعلموا أنهم ليسوا ملاك فضله عز وجل فيزووه عن المؤمنين ويستبدوا به دونهم ، وقوله تعالى : وأن الفضل بيد الله عطف على أن لا يقدرون داخل معه في حيز العلم ، وقوله سبحانه : يؤتيه من يشاء خبر ثان لأن أو هو الخبر وما قبله على ما قيل : حال لازمة أو استئناف ، وقوله عز وجل : والله ذو الفضل العظيم اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله .

وذهب بعض إلى أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو لمن لم يؤمن منهم بعد : فالمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى عليهما السلام آمنوا بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم أي اثبتوا على الإيمان به أو أحدثوا الإيمان به عليه الصلاة والسلام يؤتكم نصيبين من رحمته نصيبا على إيمانكم بمن آمنتم به أولا ونصيبا على إيمانكم بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم آخرا ليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب أنهم لا ينالون شيئا مما يناله المؤمنون منهم ولا يتمكنون من نيله حيث لم يأتوا بشرطه الذي هو الإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم . وأيد ذلك بما في صحيح البخاري «من كانت له أمة علمها فأحسن تعليمها وأدبها فأحسن تأديبها وأعتقها وتزوجها فله أجران ، وأيما رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي فله أجران ، وأيما مملوك أدى حق الله تعالى وحق مواليه فله أجران » ولا إشكال في ذلك بالنسبة إلى النصارى ، ولذا قيل : الخطاب لهم لأن ملتهم غير منسوخة قبل ظهور الملة المحمدية ومعرفتهم بها فيثابون على العمل بها حتى يجب عليه الإيمان بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم فإذا آمنوا أثيبوا أيضا فكان لهم ثوابان ، نعم قد يستشكل بالنسبة إلى غيرهم لأن مللهم منسوخة بملة عيسى عليه السلام والمنسوخ لا ثواب في العمل به ، ويجاب بأنه لا يبعد أن يثابوا على العمل بملتهم السابقة وإن كانت منسوخة ببركة الإسلام .

وأجاب بعضهم أن الإثابة على نفس إيمان ذلك الكتابي بنبيه وإن كان منسوخ الشريعة فإن الإيمان بكل نبي فرض سواء كان منسوخ الشريعة أم لا ، وقيل : إن (لا) في لئلا يعلم غير مزيدة وضمير لا يقدرون للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين أي فعلنا ما فعلنا لئلا يعتقد أهل الكتاب أن الشأن لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون به على شيء من فضل الله تعالى الذي هو عبارة عما أوتوه من سعادة الدارين ولا ينالونه ، أو أنهم أي النبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنون لا يقدرون إلخ ، على أن عدم علمهم بعدم قدرتهم على ذلك كناية عن علمهم بقدرتهم عليه فيكون قوله سبحانه : وأن الفضل إلخ معطوفا على - أن لا يعلم - داخلا معه في حيز التعليل دون أن لا يقدر فكأنه قيل : فعلنا ما فعلنا لئلا يعتقدوا كذا ولأن الفضل بيد الله فيكون من عطف الغاية على الغاية بناء على المشهور ولتكلف هذا القيل مع مخالفته لبعض القراءات لم يذهب إليه معظم المفسرين ، وقرأ خطاب بن عبد الله - لأن لا يعلم - بالإظهار ، وعبد الله بن مسعود وابن عباس وعكرمة والجحدري وعبد الله بن سلمة على اختلاف ليعلم ، وقرأ الجحدري أيضا - ولييعلم - على أن أصله لئن يعلم فقلبت الهمزة ياء [ ص: 195 ] لكسرة ما قبلها وأدغمت النون في الياء بغير غنة ، وروى ابن مجاهد عن الحسن - ليلا - مثل ليلى اسم المرأة «يعلم » بالرفع ، ووجه بأن أصله - لأن لا - بفتح لام الجر وهي لغة عليه قوله :


أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل



فحذفت الهمزة اعتباطا وأدغمت النون في اللام فصار - للا - فاجتمعت الأمثال وثقل النطق بها فأبدلوا من اللام المدغمة ياء نظير ما فعلوا في قيراط ودينار حيث إن الأصل قراط ودنار فأبدلوا أحد المثلين فيهما ياء للتخفيف فصار - ليلا - ورفع الفعل لأن أن هي المخففة من الثقيلة لا الناصبة للمضارع ، وروى قطرب عن الحسن أيضا - ليلا - بكسر اللام ووجهه كالذي قبله إلا أن كسر اللام على اللغة الشهيرة في لام الجر وعن ابن عباس كي يعلم ، وعنه أيضا لكيلا يعلم ، وعن عبد الله وابن جبير وعكرمة لكي يعلم .

وقرأ عبد الله أن لا يقدروا بحذف النون على أن أن هي الناصبة للمضارع ، والله تعالى أعلم .

ومما ذكره المتصوفة قدست أسرارهم في بعض آياتها هو الأول والآخر والظاهر والباطن قالوا : هو إشارة إلى وحدانية ذاته سبحانه المحيطة بالكل ، وقالوا في قوله تعالى : وهو معكم أين ما كنتم إشارة إلى أنهم لا وجود لهم في جميع مراتبهم بدون وجوده عز وجل ، وقوله تعالى : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل إشارة إلى ظهور تجلي الجلال في تجلي الجمال وبالعكس وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه إشارة للمشايخ الكاملين إلى تربية المريدين بإفاضة ما يقوي استعدادهم مما جعلهم الله تعالى متمكنين فيه من الأحوال والملكات .

وقال سبحانه : اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها لئلا يقنط القاسي من رحمته تعالى ويترك الاشتغال بمداواة القلب الميت فما رعوها حق رعايتها أوردها الصوفية في باب الرعاية وقسموها إلى رعاية الأعمال والأحوال والأوقات - ويرجع ما قالوه فيها - على ما قيل - إلى حفظها عن إيقاع خلل فيها يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته أي نصيبين نصيبا من معارف الصفات الفعلية ونصيبا من معارف الصفات الذاتية ويجعل لكم نورا من نور ذاته عز وجل وهو على ما قيل : إشارة إلى البقاء بعد الفناء ، وقيل : هذا النور إشارة إلى نور الكشف والمشاهدة رتب سبحانه جعله للمؤمن على تقواه وإيمانه برسوله الأعظم صلى الله تعالى عليه وسلم ، وقيل : هو نور العلم النافع الذي يتمكن معه من السير في الحضرات الإلهية كما يشير إليه وصفه بقوله عز وجل : تمشون به وفي بعض الآثار «من عمل بما علم علمه الله تعالى علم ما لم يعلم » وقال سبحانه : واتقوا الله ويعلمكم الله وكل ذلك في الحقيقة فضل الله تعالى والله عز وجل ذو الفضل العظيم نسأله سبحانه أن لا يحرمنا من فضله العظيم ولطفه العميم وأن يثبتنا على متابعة حبيبه الكريم عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأكمل التسليم .

تم بعونه تعالى وتوفيقه الجزء السابع والعشرون ، ويليه الجزء الثامن والعشرون أوله سورة المجادلة.

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث