الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

القول في تأويل قوله تعالى " فإذا نقر في الناقور "

القول في تأويل قوله تعالى : ( فإذا نقر في الناقور ( 8 ) فذلك يومئذ يوم عسير ( 9 ) على الكافرين غير يسير ( 10 ) ذرني ومن خلقت وحيدا ( 11 ) وجعلت له مالا ممدودا ( 12 ) ) .

يعني جل ثناؤه بقوله : ( فإذا نفخ في الصور ) فذلك يومئذ يوم شديد .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن فضيل وأسباط ، عن مطرف ، عن عطية العوفي ، عن ابن عباس ، في قوله : ( فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر ينفخ فيه " ، فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف نقول ؟ فقال : تقولون : حسبنا الله ونعم الوكيل ، على الله توكلنا " .

حدثني يعقوب ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا أبو رجاء ، عن عكرمة ، في قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) قال : إذا نفخ في الصور .

حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا أبو النعمان الحكم بن عبد الله ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي رجاء ، عن عكرمة ، في قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) مثله .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن شريك ، عن جابر ، عن مجاهد ( فإذا نقر في الناقور ) قال : إذا نفخ في الصور . [ ص: 18 ]

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) قال : في الصور ، قال : هو شيء كهيئة البوق .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) قال : هو يوم ينفخ في الصور الذي ينفخ فيه ، قال ابن عباس : إن نبي الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أصحابه ، فقال : " كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن ، وحنى جبهته ، ثم أقبل بأذنه يستمع متى يؤمر بالصيحة ؟ فاشتد ذلك على أصحابه ، فأمرهم أن يقولوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، على الله توكلنا " .

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) يقول : الصور .

حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، قال الحسن : ( فإذا نقر في الناقور ) قال : إذا نفخ في الصور .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) والناقور : الصور ، والصور : الخلق .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول ، في قوله : : ( فإذا نقر في الناقور ) يعني : الصور .

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) قال : الناقور : الصور .

حدثنا مهران ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، مثله .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : ( فإذا نقر في الناقور ) قال : الصور .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : ( فذلك يومئذ يوم عسير ) يقول : شديد . [ ص: 19 ]

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال الله تعالى ذكره ( فذلك يومئذ يوم عسير ) فبين الله على من يقع ( على الكافرين غير يسير ) .

وقوله : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : كل يا محمد أمر الذي خلقته في بطن أمه وحيدا ، لا شيء له من مال ولا ولد إلي .

وذكر أنه عني بذلك : الوليد بن المغيرة المخزومي .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا سفيان ، قال : ثنا وكيع ، قال : ثنا يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، مولى زيد ، عن سعيد بن جبير أو عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : أنزل الله في الوليد بن المغيرة قوله : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) وقوله : ( فوربك لنسألنهم أجمعين ) إلى آخرها .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) قال : خلقته وحده ليس معه مال ولا ولد .

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن محمد بن شريك ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) قال : نزلت في الوليد بن المغيرة ، وكذلك الخلق كلهم .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) وهو الوليد بن المغيرة ، أخرجه الله من بطن أمه وحيدا ، لا مال له ولا ولد ، فرزقه الله المال والولد ، والثروة والنماء .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) إلى قوله : ( إن هذا إلا سحر يؤثر ) حتى بلغ ( سأصليه سقر ) قال : هذه الآية أنزلت في الوليد بن المغيرة .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : ( ذرني ومن خلقت وحيدا ) يعني الوليد بن المغيرة ( وجعلت له مالا ممدودا ) .

اختلف أهل التأويل في هذا المال الذي ذكره الله ، وأخبر أنه جعله للوحيد ما [ ص: 20 ] هو ؟ وما مبلغه ؟ فقال بعضهم : كان ذلك دنانير ، ومبلغها ألف دينار .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن إسماعيل بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن مجاهد ( وجعلت له مالا ممدودا ) قال : كان ماله ألف دينار .

حدثنا صالح بن مسمار المروزي ، قال : ثنا الحارث بن عمران الكوفي ، قال : ثنا محمد بن سوقة ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : ( وجعلت له مالا ممدودا ) قال : ألف دينار .

وقال آخرون : كان ماله أربعة آلاف دينار .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ( وجعلت له مالا ممدودا ) قال : بلغني أنه أربعة آلاف دينار .

وقال آخرون : كان ماله أرضا .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثني وهب بن جرير ، قال : ثنا شعبة ، عن النعمان بن سالم ، في قوله : ( وجعلت له مالا ممدودا ) قال : الأرض .

حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي ، قال : ثنا وهب بن جرير ، قال : ثنا شعبة ، عن النعمان بن سالم ، مثله .

وقال آخرون : كان ذلك غلة شهر بشهر .

ذكر من قال ذلك :

حدثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة ، قال : ثنا حلبس ، إمام مسجد ابن علية ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عمر رضي الله عنه ، في قوله : ( وجعلت له مالا ممدودا ) قال : غلة شهر بشهر .

حدثني أبو حفص الحيري ، قال : ثنا حلبس الضبعي ، عن ابن جريج ، عن عطاء مثله ، ولم يقل : عن عمر .

حدثنا أحمد بن الوليد الرملي ، قال : ثنا غالب بن حلبس ، قال : ثنا أبي ، عن ابن جريج ، عن عطاء مثله ، ولم يقل : عن عمر . [ ص: 21 ]

حدثنا أحمد بن الوليد ، قال : ثنا أبو بكر عياش ، قال : ثنا حلبس بن محمد العجلي ، عن ابن جريج عن عطاء ، عن عمر ، مثله .

والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله : ( وجعلت له مالا ممدودا ) وهو الكثير الممدود ، عدده أو مساحته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث